ليس فقركم ذنبنا! ألا تفهمين بعد أنكم تدفعون ثمن حماقتكم وغبائكم وخنوعكم؟ عندما كان آباؤنا يقتنصون الفرص كان آباؤكم يقفون أمام طوابير الرواتب في المصالح الحكومية، ثم لم تعد هناك مصالح حكومية. لم تعد هناك رواتب. أنتم لم تفهموا اللعبة مبكرًا لهذا هويتم من أعلى إلى حيث لا يوجد قاع. ما ذنبنا نحن؟ عندما هب الجميع ثائرين في كل قطر في الأرض هززتم أنتم رءوسكم وتذرعتم بالإيمان والرضا بما قسم لكم. تدينكم زائف تبررون به ضعفكم.

يوتوبيا – د. أحمد خالد توفيق.

تقول الطبيبة النفسية Kathy Seifert في مقالها على موقع psychologytoday بعنوان We Are Not Created Equal أن الاعتقاد أننا جميعًا خلقنا بنفس أطراف الأصابع، أي أننا خُلقنا متساوين، ليس بالصحيح، حيث إن لكل فرد نقاط قوة ناتجة عن نشأته تساعده على النجاح، وعوائق ولدت معه نشأت مع فقر عائلته أو تفككها أو أي ظرف كان اعترضت طريقه للوصول إلى غايته، إن ولد طفلٌ معاق أو نشأ في منزل مسيء أو فقير؛ ففرص نجاحه ليست كمن ولد بصحة جيدة وفي عائلة غنية، بالطبع أمام كلٍ منهم عوائق مختلفة عن الثاني، إلا أن الأول أمامه من الصعاب بحر بالمقارنة مع الغني. كان منطق البطل في يوتوبيا أحمد خالد توفيق، وهو المنطق الذي يسود العديد من الدول اللادينية حاليًا أو الرأسمالية في أحيان، هو سبب الفروق الاجتماعية الشاسعة التي حدثت في مصر المفترضة مستقبلًا والعديد من الدول الأخرى حاليًا. اعتراضي على الفروق بين البشر من الناحية المادية أو الصحية قد يجعلك تعتقد أن للجملة السابقة وجهًا من الصحة، أي أنه لو هناك اثنان لديهم نفس الظروف المادية والصحية فهذا يجعل انتكاس واحد منهم غباءً منه فيكون ذلك ذنبه، إلا أنه يجب أن تعرف أنه لا يوجد مذنب على هذه الأرض، إلا الأرض نفسها!

لم نخلق متساوين!

يُحزنني أن أخبرك أن الإجابة قد تكون نعم أو لا، الأمر يختلف على حسب معنى لفظة «متساوٍ» لديك، عند خروجنا من رحم أمنا نكون متساوين من الناحية العقلية مع اختلاف القبلات الجينية، يُملأ عقلنا ببعض الذكريات بعد بضعة شهور فيبدأ تدريب العقل على التعامل مع المشاكل كصعوبة الحركة وضعف الجسم ومع إيجاده للحلول وتدريب الحياة له ينمو ذكاؤه مع الوقت، فالطفل الذي وجد ما حوله ليس به مشاكل ويقضي حياته في قضم شباشب الحمام والضرب لن ينمو ذكاؤه كما ينمو ذكاء طفل وجد العديد من الصعوبات من الأراضي الوعرة والتنمر وغيره، أو كما نما ذكاء طفل عاش حياته مع الألعاب المنمية للعقل كالأحجيات أو المكعبات، فلو خلق اثنان بنفس اللون والشكل ونفس الظروف الاجتماعية ونفس حياة الطفولة فقد يصل التشابه في مستوى الذكاء لحد التطابق! لكننا لم نخلق متساوين في الحالة الاجتماعية والشكل: فالزنجي ليس كالقوقازي اجتماعيًا أو شكلًا ، لكن هل لك أنت كنفس مفترضة أن تتحكم في شكلك؟ في حالتك الاجتماعية؟ هل يهتم إلهك بشكلك من الأساس؟ أو بفقرك أو غناك عند ميلادك؟ لذا يمكننا أن نقول إن كوننا لم نخلق متساوين في بعض النقاط الشكلية التي لا يهتم بها صاحب حياتك الأبدية التي تزعم حلولها عليك بعد فترة صغيرة، حسنًا، حتى هذه اللحظة يبدو الله عادلًا جدًا، لكن هل اهتمامه بما تختلف فيه مع الوقت عادل؟

الضمير هو الخوف من المجتمع – فرويد.

من أنت؟ أنت القارئ، لكن من جعلك قارئًا؟! لعلك كنت تبحث عن شيءٍ ما وصادفك عنوان المقال، ولأن أباك كان دائمًا ما يقرأ الجريدة أمامك ولأنك تحب أباك فقد اعتدت القراءة؛ فقد فهمت مع الوقت أن القراءة جعلت أباك هذا الشخص الذي تحب، فتمرست القراءة وجلست ساعات تطالع الصحف؛ فوجدت فيها معلومات استطعت أن تشترك بها في النقاش الاجتماعي فتجذب الانتباه، فأحببت القراءة وصارت لك عادة؛ ففتحت هذا المقال فضولًا ورغبةً في قراءة شيء جديد، فهل قراءتك لهذا المقال تكون منك أنت، أم من أبيك الذي اكتسبها بدوره من أبيه أو من أي شيءٍ آخر؟ قد تقول لي لا، أنا اكتسبتها من نفسي، فأسألك كيف؟ فتقول مررت بظروف من  الوحدة فلم أجد إلا الكتب والصحف لي مهربًا، ألا يجعل هذا الوحدة سببًا في كونك قارئًا؟ فتقول لا؛ فهناك من الناس من كان وحيدًا ولم يقرأ واكتأب، لكن من جعلك تحول هذا العائق إلى دافع وسبب في كونك قارئًا؟ أنت؟ كيف؟ لو أنك مثابر فأنت مثابر لأنك قابلت في حياتك أحدًا مثابرًا وهذا الشخص قام بمساعدتك فأحببته، فاتصفت بصفاته التي كان من ضمنها المثابرة، فما دخلك أنت في ذلك؟ فعليًا يمكنني أن أسألك سؤالًا أعم قليلًا، ما هو أنت؟ أنت لست شيئًا إلا تراكمات قمامة الصدف، فحتى ضميرك – أو كما يقول المغايرون «نفسك اللوامة» – نشأتها هي من خوفك من المجتمع أو من رواسب تربيتك، وتأثيرها عليك من مقدار كبر خوفك – الذي بدوره ناتج عن تربيتك – أو قلته ومقدار الرواسب التي في نفسك من النشأة.

إن الكثيرين ممن أبلاهم الجوع ليغمضون أعينهم في شوارعنا العارية، وهم – مهما كان ما اقترفوه من جرائم – أعجز من أن يفتحوها على عالم أشد قسوة وغلطة.

تشارلز ديكنز – أوليفر تويست.

في رواية تشارلز ديكنز، أوليفر تويست، يتضح لك ما أقول في الأعلى بصورة عكسية، حيث  يصور تشارلز كيف ينشأ المجرم السارق، فمن تسلسل حياة كل من ناسي وأوليفر – على الرغم من كونهم سارقين – إلا أنك وجدت نفسك تتعاطف معهم، تدرك أنهم مجني عليهم أكثر من كونهم جناة أو فاسدين أو سارقين، هم كومة من رواسب مجتمعهم وبيئتهم التي وضعوا فيهما بغير رغبة، فلم تكن لهم رغبة من الأساس! مثلك ومثلي ومثل كل شخص على هذه الأرض، لسنا إلا آلة نبرمج على وجودنا، أكنت مخيرًا أو مسيرًا.

مخير أم مسير؟

من ضمن الجدليات التي تثير الوسط الفلسفي في المدارس المختلفة وخاصة الفلسفة الإسلامية، أو الفلسفات اللاهوتية على العموم، هي إن كان الإنسان مخيرًا أم مسيرًا، لكن إن فكرت معي قليلًا فلا يوجد معنى لـ«أنت» من الأساس، فما أنت بمالكٍ لنفسك كي تكون أنت موجودًا كأنت متعارف عليه يمكن أن ننعته بصفة مخير أو مسير، لكن الصدفة أو القدر – مع كونهم نفس الشيء مع اختلاف المسمى بين الدينيين واللادينيين – هم صانعوك، إن جوّعت كلبك ثم دخلت عليه ومعك قطعة لحم، فسيلتهمك أنت وهي!

أكنت ناجحًا أو فاشلًا، مشهورًا أو مغمورًا، شريفًا أو مدنسًا، عظيمًا أو منحطًا، لاهوتيًا أو ملحدًا، يجب عليك أن تعترف أمام نفسك أنك ليس لك ولو بصغرة فضلة بكونك ما أنت عليه، لأنك لا شيء، مثلي تمامًا. هتلر لم يكن مذنبًا، الصهيون ليسوا بمذنبين، كل القتلة والمجرمين ليسوا بمذنبين؛ فما هم إلا مفعول بهم!

تخيل لاهوتي العزيز أنك ستحاسب على ما فعله بك المجتمع، على ما نشأت به في بيئتك، على تدينك وطريقة تفكيرك، أنت وغيرك، سيحاسبك الله على ما لم تفعل!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

D. Gregory Mitchell
عرض التعليقات
تحميل المزيد