مواقع التواصل الإجتماعي تستوجب الحذر و حسن الإستعال

منصات التواصل الاجتماعي هي في الأصل للتعارف بصداقات جديدة من مختلف البقاع القاصية، وأهم ما جاءت به هو تجسيد الاختلاف الذي نعيشه واقعًا إلى اختلاف آخر أكثر جرأة مما سبق، وهي منصات لتبادل الآراء النافعة وزيادة الوعي، ونقل الأخبار والأخيار، كذلك فإنه فرصة أيضًا للتواصل مع الأسرة والمعارف في حال الغربة، وغير ذلك.

لكنها لا تصلح أبدًا لممارسة العلاج النفسي أو التنفيس بالفضفضة والثرثرة وتفريغ الصدر، فهذه لا بد من ممارستها مع مؤتمن، أب، أم، صديق مقرب، أو خبير تستقي منه مشورة وتوجيهًا ناجعًا كممارسة لمهنة طب النفس.

على المنصات لا تجد حلًّا أو مساندة فعالة إلا حالات شاذة مما قد يعقد الأمور أكثر، فكم سمعنا عمن حاولوا الهرب من الاكتئاب ومشكلات حياتية متفاقمة إلى زحمة المجتمع الافتراضي وشلته الزائفة، فزادت أحوالهم سوءًا، وبعضهم أفضى به الأمر للانتحار، رغم شهرته وكثرة متابعيه ومحبيه، ناهيك عن مدى خطورة ذلك؛ فلا يسلم الإنسان هنا من وجود متربص في ثياب فاعل خير يضمر بمكنونه شرًّا، وقد يلتقط من ثرثراتك طرف خيط لحياكة شيء ما يسوؤك فتندم متأخرًا، حيث لا ينفع الندم، والقصص بلا عدد ولا حصر عن تعرض العديد من الفتيات للابتزاز بسبب نشرهم لصورهم أو بعض بياناتهم الشخصية على تلك المواقع بلا تفكير في العواقب والنتائج.

ولأن هناك نتائج وعواقب، إذن لا بد من وجود أسباب، وأهمها أن بعض الناس يتعاملون مع منصات التواصل الاجتماعي كطاولة في مقهى يشاركها مع خليله، كل بضعة دقائق منشور، فمرة يشعر بالحزن، ويعقبها تحديث الحالة إلى «يا رب تأخذني، (وفي الخاتمة تنتهي عادة بشعور في التحسن الحمد لله)».

ليس هذا عيبًا يا سيدي، لكنه ضار.

كثرة الحديث بلا هدف تعني في الغالب كثرة السقطات والعثرات، مما يمحو المهابة، فيجترئ عليك كل عابر، ولا يؤخذ كلامك بمحمل الجد في عقل قارئك، وهي أيضًا تهتك سترك وخصوصيتك، فتبدو وكأنك تحيا في غرفة زجاجية، مشاع للعامة، وتنزع عنك عنصر التشويق، وتجعلك مع مضي الوقت باهتًا مملًّا، فكيف يبدأ أحدهم حديثه معك وهو قد أصبح يسبر أغوارك كلها، كتجاعيد كف يديه.

في النهاية أنت محاط بآلاف الأشخاص في لائحة الأصدقاء فلا تجعلهم طرفًا في معايشة تقلباتك الشعورية المتكررة بكل تلك التفاصيل والاستقصاء، فلكل همومه ومتاعبه وبلاءه، فاحرص على أن تكون خفيفًا مرغوبًا لا ثقيلًا منفرًا، يستجدي التعاطف على الأبواب!

فهناك من يدخل هذه المنصات ليبحث عن معلومة خير، خبر، تحليل، منفعة، يدفع من أجلها من مخصصاته المالية ما ثمن وغلا.

وتوالي منشوراتك يحتل العرض، فلا يجد إلى ما يريد سبيلًا وهو يستحي أن يفعل «عدم المتابعة» لحرصه على الإلمام بمستجداتك والتفاعل معك بين الحين والآخر.

سألت نفسي مرة: لماذا نحزن ونفرح أو نغضب أو نتوتر أو ننفعل لكلام أناس -إلكترونيين- لا نعرفهم ولا يعرفوننا ولا يمثلون شيئًا في حياتنا؟ لماذا لا نتعامل ببرود أعصاب معهم؟ فاكتشفت أن نفوسنا هشة وأرواحنا خاوية، راسلتني إحداهن مرة لأقبل طلب صداقتها، وعندما فعلت حظرتني (يبدو أنها كانت تريد الانتقام).

وأنا أفهم كل هذه الأحاسيس والمشاعر المكتوبة، وأفهم غالبًا ما سببها، ومن سلبيات التكنولوجيا ومنصات التواصل أنها جعلت الأغلبية تحس بالنقص، كيف؟

نتيجة الكم الهائل من ترسنات إعلامية تضخ كل ما هو مثير، ومتميز، وناجح، واستثنائي؛ لتبث في المتقبلين إحساسًا بأنهم أناس بائسون فاشلون، وأن هناك غيرهم يعيشون حياة الشهرة، والترف، والرفاهية، والنجاح فتدفعهم بكل عماء وسذاجة لإظهار أنهم أيضًا متميزون ورائعون، لتكون النتيجة ما تشاهدون أمامكم في مواقع التواصل من صور وفيديوهات وغيرها من ردود الفعل البائسة، التي تترجم الإحساس بالضعف والنقص لأصحابها، وأنها يجب أن تبرز مهما كانت الطريقة لذلك، فالجميع يريد أن يكون استثنائيًّا ومحل إعجاب؛ ليصبح الجميع دون أن يشعر في الدوامة نفسها من كره النفس ومقتها؛ لأنها عجزت عن الوصول لذلك الإحساس بالرضا، فهناك غيرها تراه دومًا أفضل منها، فالإعلام لا يتوقف عن بث ما يجلب الانتباه ليزداد هو ربحًا، ويزداد المتقبل بؤسًا وكآبة وإحساسًا بأنه ناقص فاشل!

في الحقيقة هناك إحساس جمعي بأن المنصات لم تعد ذات قيمة، وأنه مضيعة للوقت، وكثيرون يفكرون في غلق حساباتهم، والسبب الأكبر لذلك الشعور هو قلة التفاعلات مع ما ينشرونه رغم قيمته! ورؤيتهم لكثير من التافهين تحظى توافههم بتفاعلات لا تقارن مع ما يحظون به، ما يزيد اليأس في قلوبهم، وإني رأيت أناسًا هنا يعشقون كونهم ضمن القطيع، لا رأي لهم ولا موقف، القول ما قال سيدهم والرأي ما رأى.

لكن تخيلوا معي لو أن كل هؤلاء قاطعوا هذه المنصات حقًّا؟ كل الذين ينشرون منشورات قيمة ومفيدة، أخلاقية، ثقافية، اجتماعية وما إلى ذلك، تخيلوا مواقع التواصل ليس فيها من يحذر أبناءكم من المهالك، ويعلمهم الحلال والحرام، الخطأ والصواب، يصحح لهم معتقداتهم، ويحفظ عقولهم من الألاعيب وزيف شياطين الإنس والجان، ويزيل عن أعينهم أغشية سحر الإعلام، ويحذرهم من الروابط المشبوهة، فكيف سيكون حالهم؟ وكيف سيكون حالكم معهم؟

تخيلوا مواقع التواصل لا يوجد فيها إلا الكذابون والدجالون والمفسدون والمتحايلون والمحرفون؟

ويقرر أهل الصلاح الاعتزال وترك الساحة.

الذين يريدون الخير لكم ولأبنائكم، ويسدون ثغرة ربما تعجزون عن سدها، ويخوضون حروبًا شرسة للدفاع عن أخلاق أبنائكم دون مقابل، ودون طلب، ودون انتظار شكر، فكيف تتوقعون أن ينشأ أبناؤكم؟

لكن لولا تلك الثلة الباقية لرأيتم أبناءكم فرائس الانحلال والخنا، حيارى يتطوحون في أزقة الضياع، تتهارشهم إعلانات الضلال، ثم بعد ذلك ينبتون نبتًا خبيثًا، أنتم أول من سيحصد علقمه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد