لطالما قرأت على التلاعب بالإعلام وفى الإعلام، ولكني بقيت دائمًا قارئا – للغرابة – لتلك الأفعال. ولطالما سمعت وشاهدت كيف يمكن للإعلام الجديد والمنصات الاجتماعية ومنصات التواصل وفضاء الإنترنت الفياض بأعماقه السوداء وتجلياته الوردية وأشياء أخرى، من عرابيه والمتحكمين في دواليبه وتجلياته وأضراره، وفي ذلك الإعلام الجديد الآخر، أن يقوم بالتشويه ولو بكلمة، ولو بصورة، ولو بمرادفة، أو نسب إلى أشياء بعينها، وهي دائمًا تُلغى في الأخير على أنها خطأ لا يتكرر. ولعمري فإن فضاء الإنترنت لا يوجد فيه أصلًا مصطلح الخطأ فكل شيء فيها معد مسبقًا وفق آليات وأهداف ودوافع.

لطالما قرأت وسمعت وشاهدت أنه يغير كيفما يريد من الأشياء والأسماء والظواهر التي يشاء، وأنه يلقي من الشكوك ما يدمر، ومن الظلال التي تخيف، فتزرع الاضطراب والقلق المريع. كنت كذلك، إلى أن حدث لي ما حدث.

الحكاية باختصار أن كتابًا لي منشور إلكترونيًا على الإنترنت، منشور ضمن الحقوق الحامية في هذا المضمار الجديد من النشر الإلكتروني، من قبل ناشر مصري. ولأن أحد الأصدقاء المصريين راسلني عبر فيسبوك قائلًا: أخي يسين.. ألست جزائريًا؟ فتعجبت لما قال، وأجبته: بلى، من الجزائر العظيم. قال لي الصديق المصري، الغريب أني وجدتك مكتوبًا: كاتب إسرائيلي ضمن بعض النتائج المتاحة عند الضغط على اسمك في المحرك العالمي جوجل!

استغربت قليلًا مما قال! فلم أصدق، قلت ربما أحدهم في الموسوعة العالمية الإلكترونية (ويكيبيديا) قد فعلها، فهي مفتوحة على الشائعات بالإضافات، وما إلى تلك الطرق السوداء من إلصاق ما يسيء.

ثم كتبت على المحرك نفسه اسمي؛ فإذا بإحدى النتائج حقًا تسميني ضمن جملة بما يلي: يسين بوغازي الإسرائيلي.

ولأن إسرائيل تلك عندي ليست سوى كيان غاصب، ولأنها عندي أيضًا ليست سوى كيان من الشر؛ فهي اغتصبت أرضًا، وشردت شعبًا، وما تزال تعبث، وتوغل في الآلام والجراح والاغتيالات.

فإن الأمر قد هالني كثيرًا، بعد مدة قال لي صديق فيسبوكي آخر: إنها الموساد تراقبك، فاحذر ثم آخر: لأنهم وجدوك جزائري الهوية، فأرادوا أن يلطخوا الانتماء وثالث يقول: سيجعلك هذا الخطأ أكثر شهرة على كل حال، إن الأمر آلمني لأنهم يملكون علينا حتى عوالم الإنترنت العميقة، فيتحكمون في تراتيب الأشياء كما يريدون، وكيفما يريدون، ولا نستطيع أن نوقفهم أو نردعهم، سوى بإرسال الإيميل كما فعل ناشر مصري بالكاتب الذي ارتكب على رابطه التشويه المريع، قال لي: أرسل الإيميل إلى جوجل، وانتظر الرد، لا نملك، ولا أملك غير الإجراء الاستفساري، وطلبات التعديل هي أقصى ما يمكنننا أن نفعله، التنديد، والشجب، والشكوى، ثم الصمت الأخير، تمامًا كدروس عالمنا العربي والإسلامي القديمة التي أورثتنا ذاك التنديد والشكوى والشجب.

لكن الذي آلمني كثيرًا، ليست أبدًا الجرأة الصهيونية على تشويه اسمي الجزائري وتلطيخ انتمائي، فذاك منتظر من قتلة الأطفال، لكنه الصمت الذي أحيط بما أعلنته في التواصل الاجتماعي الذي آلمني كثيرًا. لا أحد تحرك سوى القلائل من الأصدقاء، ولم يكونوا أبدًا من المعنيين مباشرة بالثقافة أو الإعلام، بل كانوا عاديين أحرارًا فقط.

ما آلمني، أنني خلته صمتًا تطبيعيًا على سلامة الإجراء الإسرائيلي تجاه التشويه للهوية، أية هوية عربية. ربما رآه الآخرون من المثقفين والإعلاميين لا يستحق أدنى إعجاب أو تعليق، أو توزيعًا ضمن المساندة والدعم، لقد علمتني هذه الحادثة التشويهية المقصودة من الصهاينة، أشياء كثيرة، أولها أن التصدي للصهيونية مسألة فردية، ومواجهته فردية العواقب، فردية الألم، على الأقل ضمن عالمي الثقافي الجزائري، بعض عالمي الثقافي الجزائري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!