«الوطن مع من تحب، حتى لو درت بها البحار، وعبرت البلاد والأنهار».

قالها أحدهم يومًا، فآمنت بها. مفهوم الوطن ليس فقط مفهومًا مكانيًّا يعبر عن ذلك المكان الذي عشت وترعرعت فيه، بل إنه مفهوم أشمل من ذلك؛ إذ ينتقل معك الوطن أينما كنت، شريطة أن يكون معك أهلك وأصدقاؤك وأقرانك. الوطن إذن مفهوم مطاطيٌّ واسع. قد يكون لهذا المكان أثره الخاص، ولكنه من المؤكد أن مفهوم «الأهل» أعم وأشمل. إن إحساس الفرد بأن يكون منعزلًا بعيدًا عن موطنه وسط جماعة لا يعرفهم لهو إحساس صعب. شعور «الغربة» هو شعور مخيف، مزيجٌ من القلق والملل والانتظار، انتظار العودة إلى الوطن.

يغترب معظم المصريون للخارج بحثًا عن «لقمة العيش»، بحثًا عن توفير حياة كريمة لعائلاتهم، وتوفير مصدر دخل آمن. يسافر المرء ليقضي عامًا بعد عام ليأتي بعدها في إجازة لا تزيد عن شهر أو اثنين، ليكون وطنه هو سكنه المؤقت، وسكنه الأصلي هو ذلك السكن الأجنبي! يأتي ليرحل قريبًا، لتكتمل الدائرة أعوامًا متتالية، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. وإذا تكلمنا بلغة الإحصائيات فسنجد أن عدد المصريين المغتربين بالخارج يزيد عن 9.5 مليون مصريًّا طبقًا للجهاز المصري للتعبئة والإحصاء. هؤلاء الملايين ذهبوا بحثًا عن تأمين أسرهم والحصول على حياة كريمة، هؤلاء رضوا بأن يكون موطنهم هو سكنهم المؤقت.

وبالنسبة للطلاب، فهو أمر جلل، إذ يتعين على عليهم أن يتكيفوا مع حياة جديدة تمامًا عما كانوا عليه سابقًا. في أرض الغربة لا وجود لـ«اعمليلي يا ماما كوباية شاي»، أو «فين الغدا يا حاجَّة؟»، إذا أردت شيئًا فأنت فاعله. في هذه الأرض تتعلم الاعتماد على النفس، تتعلم الطبخ أحيانًا لتفسد طبختك الأولى بكل تأكيد، أو تضيف الكثير من الملح والتوابل لتشبه العلقم في النهاية، «وفي الآخر هتاكلها برضو». في هذه الأرض لا وجود لخصوصية، فالخصوصية هنا اسمٌ فقط. في بعض الأيام تتمشى صامتًا وفي داخلك حديث يتكرر يوميًّا: «هناكل كشري فين النهارده؟»

عندما  تعود إلى المنزل – راكبًا القطار في أغلب الأحيان- لتدخل البيت لتكون أمك في انتظارك بـ«حلة المحشي» وتسترخي على سريرك بعد سفر طويل، تتمنى لو أنها تستمر للأبد، لا حاجة للغربة بعدئذ، فلتذهب الجامعة إلى الجحيم، ولكن بعد أن تفيق من سباتك العميق، تدرك أنه أمر إجباري أن تلتقي بأقرانك الجامعيين ثانيةً لتستقلوا قطار الخامسة صباحًا لحضور محاضرة التاسعة والنصف «عشان الدكتور هياخد غياب». وفي زحام القطارات تفكر في غرفتك التي تركتها وحيدة، في جدارك الذي حفظت ما نُقش عليه، وفي سريرك الذي لطالما أردت الاستلقاء عليه أمد الدهر.

يقف القطار في إحدى المحطات لتركب امرأة في منتصف الثلاثينيات ومعها ابنتها التي في السابعة تقريبًا، لتعود بك الذكريات إلى أطفال المنزل، تتذكرهم واحدًا تلو الآخر، حضن أحدهم، وقبلة الآخر، وضجيج الثالث الذي لا تستطيع المذاكرة في وجوده. تتذكر والدتك وهي تودعك ونصائحها المعتادة التي سئمت منها، ولكنها في كل مرة تنجح في إعلامك إياها. ويغادر القطار المحطة وتغادر معه ذكرياتك.

ويشتد الألم إذا ما كان لك رفيق في هذا الوطن، يعز عليك فراقه، أما إذا كانت علاقة قديمة قد انتهت فيكون الأمر أشد وطأة وألمًا، إذ تمر عليك كل الذكريات أمام عينيك مرور الكرام. يقول أحدهم: «تكمن المشكلة في أنك حين تتعلق بأحدهم فإنك لا تتعلق بشخص واحد فقط، بل تتعلق بأهله وأصدقائه ومدينته، تتعلق بأفلامه المفضلة، تُدندن موسيقاه دون أن تدري، ستحب الصباح إن كان يحبه، وتعشق الليل حين تقضونه سويًّا، ستحب حتى طريقة نطقه الغريبة لبعض الحروف. فماذا لو تعلقت بكل ذلك وعُدت تقضي الليك وحدك؟».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد