«بدنا نعيش».. على مدار الأعوام 12 الماضية كان يتشكل سؤال على استحياء في البداية «ليش الناس ساكتة»، ومنذ البداية أيضًا كان واضحًا بأننا ندخل في مرحلة هستيرية، بالطبع لم يكن أحد يعلم تمامًا ما الذي ستؤول إليه الأمور بعد كل هذه الأعوام، ولا أعتقد أن طرفي الانقسام وحدهما من يتحملان مسؤولية هذه الأزمة الأخلاقية التي حلّت بنا، وإن كانا يتقاسمان الذنب الأكبر، فهناك الفصائل المنخرطة في العمل السياسي ومؤسسات المجتمع، والأهم نحن فقد غرقنا أيضًا بالصمت ـ على مستوى الفاعل الجمعي ـ سواء كان الدافع الخوف أو اليأس، أو ما هو خليط منهما انعدام الرؤية وغبش الأيام القادمة.

الانقسام «هذا الكائن المسخ» هو اليوم على أعتاب سن البلوغ، وهذا يعني أنه بعد قليل سيدخل في مرحلة ٍسيعاند فيها نفسه، وسيمضي قدمًا بغض النظر عن الآخرين الذين يترقبونه، سيفلت أكثر وأكثر من العقال، وهذه لعنة ستصيب كل من سيشهدها.

قطاع غزة، البقعة الأكثر ازدحامًا على وجه الأرض، بمعدل فقر يتجاوز الـ80%، مع انعدام فرص العمل أو أي آفاق لحياة كريمة، غارق في مآسيه حتى أخمص قدميه، ومطالب دائمًا بتصدير صورته كبطل، في حين تلتف حول عنقه قيود اجتماعية ونفسية، ويجر سكانه من آذانهم لخوض معارك لا تعنيهم، لكنهم يخرجون بالحظ الأوفر من الخسائر في كل مرة، في ظل غيابٍ للوعي والرؤية، وغرق في اللحظة الحاضرة.

منذ سنوات وحتى اللحظة، لم تكن عبارة مثل «بيت طويل عريض فش فيه شيكل» من وحي الخيال، قد وصل معظم سكان قطاع غزة بالفعل إلى حالة إرهاق مزمنة على كافة الأصعدة، وأصبح المعظم يفكر بأي طريقة للهروب من هذا الجحيم، الأزمات الاقتصادية والسياسية قد يتعرض لها أي مجتمع بشري، لكننا في قطاع غزة تعرضنا لعملية ممنهجة من التفريغ لقيمنا الإنسانية، وتحولنا تحت ضغط آلة القمع وغياب الحريات وإذلال الفقر والخوف من المجهول إلى دمى يتم تحريكها كيفما اتفق، نحن أيضًا كمجموع تمترسنا خلف معتقداتنا وصورنا النمطية وانتماءاتنا الحزبية وضيق أفقنا وصدرنا على تقبل الآخر، وفي المحصلة وصلنا إلى هذه النقطة الحرجة!

هذا السلوك غير الناضج النابع من عدم فهمنا لذواتنا واحتياجاتنا، والذي كان وليد لوعينا المشوه الذي شكّلته ـ على مدار أعوام طويلة ـ عوامل مركبة ومعقدة، وهذا السلوك القمعي للآخر على كافة المستويات لم يكن غريب عنا أو عن حياتنا اليومية أي نحنٌ في تفاصيلنا الخاصة، فجاء القمع السلطوي تتويجًا، بل لحظة نماذجية لهذا الفكر المريض الذي يتسرب في أعماق أعماق المجتمع.

القمع السلطوي أيًا كان مصدره هو قمعٌ مرفوض، بالحس الإنساني الفطري، وبالأديان والشرائع، وبكافة المواثيق التي تعاهد عليها البشر لصون ما أسموه حقوق الإنسان، ولهذا علينا أن نتفق منذ البداية، قمع الحريات والاعتداء على الناس وإخراس أصواتهم بالعنف والترهيب المادي والمعنوي، هو فعلٌ مذموم بغض النظر عن دوافعه، أو عن فاعله، أكانت السلطة الفلسطينية في الضفة، أو حركة حماس في القطاع، وهذا يجعلهما يقفان في صفٍ واحد ولا يختلفان كثيرًا عن بعضهما البعض.

بدنا نعيش.. هو حراكٌ شعبي ومن اسمه يحمل مدلولات ومطالب اجتماعية، وربما هي الأساس الذي ينبني عليه بقية المطالبات، فماذا تنتظر من أناس جائعين، وهنا لا تحمل الكلمة أي مذمة وإن كانت في المقابل تطبع المسؤول عن هذه الحال بوصمة عار، المشكلة في الفقر أو الجوع أكثر عمقًا من توفير ما يملء به الإنسان جوفه، هي تضرب صميم وجوده، تشعره بالعجز، بانعدام القيمة، لذلك يعوّل الفقراء على حياةٍ أخرى لأنهم لو ظنوا بأن هذا كل ما في الأمر وحسب، وأنهم سيعيشون هذه الحالة إلى مماتهم، سيُفقد هذا حياتهم من كل معنى، ولهذا قد يشربوا الدواء المسكن على اضطرار، في الحالة الغزية كانت المسألة أشد تعقيدًا، فتجويع الناس وإفقارهم، وإذلاهم عبر لقمة العيش، ورغيف الخبز، وإنهاكهم في معارك كان بالإمكان تحاشيها، وتحميلهم وزر الديموقراطية الفج، يجد كل هذا مبرراته لدى من يحكم غزة، فنحن في حالة مقاومة مع الاحتلال وأذنابه.

ولذلك لا يحق لأحد أن يعترض، أن يتجرأ على رفع رأسه وسط كومة الرؤوس المنحنية، لا يجوز لأحد حرف البوصلة، هذا الخلط الممنهج للأوراق وتسريبه لعقول الجمهور العاطفي بطبعه، والذي يفتقر القدرة على الرؤية الشاملة وربما ليس مطلوبًا من الجميع أن يمتلك هذه الرؤية، لكن في الوقت نفسه لا يحق لأحد أن يخدعه تحت أي مسمى.

فاليوم، هذا الحراك على وجه التحديد يأتي في لحظة خاصة من عمر شعبنا وأهلنا في قطاع غزة، فماذا لدى الغريق ليخسره، والمطالب التي رفعها المتظاهرون تحمل أبعادًا اجتماعية بحتة، خفض أسعار السلع الأساسية وإلغاء الضرائب وتوفير فرص عمل، هذه كلها مطالب أساسية ومشروعة.

نعم حركة حماس فازت بانتخابات ديموقراطية خاض غمارها الشارع الفلسطيني، وجاء صعودها يمثل شريحة لا بأس فيها من هذا الجمهور، وحصلت على شرعيتها بالصندوق ومن قبله دورها المقاوم الذي لا يختلف عليه أحد، كما أنه ليس منة من حماس أو غيرها باعتبارها حركة تحرر في الأساس، وبلا شك مورست عليها أمام أنظار العالم ضغوط كبيرة، ولكن هذا كله لا يبرر لها تصرفاتها على مدار 12 عامًا من حكمها المتفرد لقطاع غزة، فهي قد فشلت في التجربة كما فشل من سبقها، وتحميل حماس المسؤولية لا ينفيها _ أي تلك المسؤولية _ عن السلطة الأخرى في الضفة الغربية، كلاهما يتحملان الوزر الأكبر عما وصلت إليه الأوضاع في غزة.

لذلك الشارع الذي ينتفض اليوم هو الحاضن الأول للمقاومة، هو الذي قاوم الاحتلال تاريخيًا في هذا الصراع المفتوح، هو الذي أُنهك كاهله بأخطاء السلطة ثم بأخطاء حماس، هو اليوم لم يخرج ليقول أنه ضد المقاومة، ولم يخرج متلفحًا بأجندة خارجية، ولم يخرج لكي يحارب طرفًا على حساب طرف، ولم يخرج ليحرف البوصلة، خرج لأنه لم يعد يملك ثمن رغيف الخبز، خرج لأنه لم يعد قادرًا على النظر في عينيه في المرآة، لأنه فقد احترامه!

أمام هذا الغضب وفقدان المعنى، خرج المتظاهرن في احتجاجات سلمية فخرجت بالمقابل عناصر حماس مدججة بالقوة، واعتدت على المواطنين بالهروات، وقادت حملات اعتقالات ودهم للمنازل، ومنعت الصحافيين من أداء عملهم، فنحن أمام سلطة شمولية، شعارها ما أريكم إلا ما أرى، وهذا نهج كل قمع سلطوي بغض النظر عن أيديولوجيته أو مصالحه.

لذلك لنتفق مجددًا، لا يعني خروج الشارع للمطالبة بحياة كريمة بأن هذا اعتداء على المقاومة، فلا أحد يحتكر هذا الدور، ولا يكفي أن نقول ما هو البديل أن نتماشي مع الوضع الحالي، وعبارة يعني السلطة في الضفة أفلح لا تنفي المسؤولية عن الجهتين، وعبارة مثل الاحتلال هو المستفيد من هيك حراكات لا تبرر الصمت.

ما زال الحراك في بدايته، ومن داخلي لا أستطيع أن أكون إلا صادقة مع نفسي، لا أشعر بالتفاؤل، وأعرف أن هذا الحراك سيتم قمعه لأن حماس غير مستعدة للتنازل عن مصالحها، وسيقمع الحراك بالقوة، وعلى الجانب الآخر السلطة تترقب بنشوة انتفاض الشارع على عدوها الأول ربما! وكلا الطرفين لا ينظران إلا من عين واقعهم الخاص، يقول البعض أن التاريخ يسير في مسارات متراكمة، والتغيير الجلل لا يحدث بلمح البصر، قد يكون هذا عقلانيًا جدًا، لكنني كشابة فلسطينية أفسد الانقسام أحلامها حول الوطن، فحملت حقيبتها كمئاتٍ غيرها للبحث عن أرضٍ جديدة، واليوم بعد ما يقرب على ثلاثة أعوام من الغربة، وعشرات القصص من الأصدقاء والغارقين في حاضرٍ مجهول، يتجسد الغضب واليأس كحجرٍ ثقيل على هذا القلب، صخرةٌ نحن شركاء سيزيف في القدر محكومون بدحرجتها إلى القمة قبل أن تهوي مجددًا إلى قاعنا وتسحقنا بطريقها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حراك, حماس, غزة
عرض التعليقات
تحميل المزيد