من هذا الرجل الذي أتانا من قرون ما قبل خلق الإنسان؟! يتحدثُ بكلامٍ غريبٍ لا نَفهم منه إلا القليل، أَسَقَطَ لنا من كتاب سحر ليُلقي علينا تعويذة؟ أم خرج من نشرة الأخبار ليقرأَ خبرًا عجيبًا عن قريش والجاهليين؟!

  كانت قواعد اللغة العربية صعبةً؛ فإن فَهِمتُ جديدَها نسيتُ السابق، ويزداد كرهي لها كلما قِيل لي (أّعْرِبْ ما فوق الخط)، وعندما كبرنا قليلًا زادوا علينا صرفًا وبلاغة، وزادت معاناة المصطلحات والقواعد، وأصبح الهروب منها، والبحث عن لغة العصر هو  الطريق الأقل عذابًا.

  أوقفني أستاذي مرةً كي أعربَ كلمة في درس النحو، فقمتُ وكلي ثقة، والحماس كاد يقفزُ من عيني أمام زملائي، وداخلي يلعن المعلم واللغة، وكلَّ سبب أتى بي إلى هذا المكان اللعين، فقلتُ له إنها «مُضاف إليه مرفوع بالضمة!»؛ ضحك المعلم وتعجَّب، وقال : (إن المضاف إليه مجرور دائمًا!)، ومن هنا تعلَّمتُ تلك القاعدة، ولم أنسَها، لكني إلى أن التحقتُ بالجامعة لا أعرف ما هو المضاف إليه أساسًا، وأين يقع في الجملة، ولا كيف أميِّزه عن أقرانه من فروع هذه الشجرة الـمُتشعِّبة!

  وسُحِرتُ باللغة الإنجليزية التي يتحدثها العالم أجمع، ويُتَخطَّف متحدثوها للعمل في أرقى الأماكن منزلةً وأعلاها راتبًا، وأحبَّها لساني، إلى أن أصبحتُ أفكر في اللفظ العربي، إن كنتُ أنطقه نطقًا صحيحًا أم به خلل!؛ كِدْتُ أنسى أبنية لغتي الأم، وشعرتُ بأهمية اللغة العربية التي تُشكِّل تاريخي وهُويتي، وتُوحِّد كِياني مع أهلي في الأقطار العربية كلها، وقررتُ أن أدرس قواعدها – المعقدة سابقًا – ووجدتُ فيها الجمال والسهولة، وروعة الأسلوب والنَظْم.

  واكتشفتُ مؤخرًا أن العيب ليس في تلك القواعد، ولا في طريقة شرحها، ولا حتى في عقلي الصغير الذي لا يفقه تفسيرها؛ إنما الأمرُ يعود إلى انفصال كلامنا الدارج عن الكلام المكتوب المُزَيَّن بالقواعد الضابطة له والمتحكمة في سيره، وأنَّ مَن يُعِلِّم العربية لا يمارس الحديث بها أمام طلابه، ولا يُدَرِّبُهم على الالتزام بضوابطها، ومن هنا تتولد مشاعر النفور والبغض لذاك الكلام غير الواقعي الـمُجْبَرين على تعلُّمه من أجل زيادة درجات الامتحان فحسب.

  وتكمن أهمية تعلُّم اللغة العربية للعرب عامةً، وللمسلمين منهم على وجه الخصوص في فهم النصوص الدينية، وتفسيرها تفسيرًا سليمًا مناسبًا للتطور التقني، وموافِقًا لقواعد العقل ومَنْطِقه ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف 3]، ومعرفة التراث العربي القديم، والفخر بحضارتنا التي أبهرت الأقدمين، ولا يزال ينبهر بها المعاصرون من عرب وأجانب؛ فكيف لنا  أن نتعبَّدَ للخالق ونعرف أوامره ونواهيه ونحن لا نفهم اللغة التي نزل بها كتابنا العظيم، الذي عجز أهل اللغة  وأفصح متحدثيها أنفسهم بالإتيان بمثله؟ ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء 88].

  ولا يعني هذا ألَا نتعلَّم اللغات الأخرى، بل إن تعلُّم اللغات أمر جميل جدًا، ويزيد من تنشيط العقل، والاطلاع على ثقافات الشعوب المختلفة، والاستفادة بالجديد في العلوم وتبادلها، لكن اجعل للُغتك الأم الأهمية التي تستحقها؛ لأنها هي من تعبر عنك بشخصيتك المستقلة المميزة عن الشعوب الأخرى، وإن كنت عالمًا أو مخترعًا أو صاحب مكانة اجتماعية عالمية؛ فكن لها سفيرًا ومُنْصِفًا، وأَفِد العرب مما اكتسبته باللغات الأخرى من علم وثقافة بنَّاءة تتناسب مع تقاليد العرب وعاداتهم.

   وإن كان للعباد فضل، فإن لأساتذتي في كلية دار العلوم  بجامعة القاهرة، وللسيدة حفصة موسى بشكل خاص – معلمة اللغة العربية للناطقين بغيرها – نصيبَ الأسد من ذاك الفضل، فهم حقًا خير مثال لحارسي العربية وأبنائها الأوفياء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد