لقد أخذ مني قرار هجر مواقع «التواصل الاجتماعي» كثيرًا من الوقت، لقد وقعت فريسة للتردد عند تلك اللحظة، وهو ما فاجأني؛ فطوال الوقت الذي كنت أقضيه متجولًا في العالم الأزرق، كنت متأكدًا من أنني أستطيع تركه متى أردت، ولم أدر بأن ثماني سنوات كانت كفيلة لقيوده بأن تكبلني، وكالسجين الذي يكتشف فجأة قيده المعدني البارد الثقيل رحت أتلمس هذا القيد، وبدأت صراعًا نفسيًا كبيرًا امتد على مدار أيام، لكنني حسمته في النهاية، وأعلنت للأصدقاء بأنني سأتركه، وربما أعود يومًا ما، لكن من يدري متى يكون هذا اليوم؟

لقد كانت المرحلة الأولى مزيجا من السعادة والخفة والفراغ الجميل، وكأي شيء ندمنه ونتركه لاحقًا، نشعر في البداية بأننا على ما يرام، وبأن إدماننا صار جزءًا من الماضي، فنشعر بالسعادة والفخر والثقة بالنفس، لقد انطلقت على العالم من حولي، وصرت أزور الأصدقاء، وأخرج في الصباح؛ لاستنشاق الهواء، وأقود دراجتي الهوائية في المساء على أنغام الموسيقى، دون أن أضطر لتفقد أخبار الناس، أو لإرسال رسائل لا معنى لها كل عدة دقائق، لقد أصبح لدي فائض من الوقت، كان كفيلا لأن أزيد من نتاجي الأدبي، ولأن أقرأ كتبًا، كانت على قائمة الانتظار على مدار أشهر طويلة.

أما المرحلة الثانية فهي المرحلة الأصعب والرحلة الأقسى، وهي فترة تتفاوت مدتها من شخص لآخر بحسب ارتباط الشخص بإدمانه، ومدى استعداده للتخلي عنه وإصراره، وهي تبدأ على شكل رعشة خفيفة تستحثك لإلقاء نظرة خاطفة، وتبدأ بالتعاظم، وتصير رغبة ملحة مسيطرة، وراحت نفسي تزين لي ذلك، مستفيدة من جرعة الثقة بالنفس التي كان مصدرها القدرة على هجر المواقع الزرقاء على مدار أيام، وبأن من يستطيع الترك على مدار أيام، لا ضير له في دقائق قليلة، ولكن حذار! إنه الشرك الذي يتربص بك، والقيد الذي ترجع له بإرادتك، بعد كل ما اجتزته لتركه. وإنني أستطيع القول بأن السعادة تستبدل بها فترات تعاسة حقيقية ومحبطة، ولقد كدت أنزلق مرة أخرى، ووصل بي الأمر لإدخال الكلمة السرية، ولم يكن يفصلني، سوى نقرة الدخول، في عدة مرات، لكنني تجاوزتها، فقد كنت أعلم أن هذه ليست سوى أعراض الانسحاب، وبأنها المخاض العسير من أجل ولادة جديدة.
وفي المرحلة الثالثة، والتي أطلق عليها «مرحلة السلام»، أصبحت العوالم الزرقاء مجرد ذكرى بعيدة، أبتسم عندما أتذكرها، وأعتبرها تجربة فريدة، لكن لا حاجة لي فيها بعد الآن؛ فنشاطاتي أصبحت أكثر إنتاجية، وازددت قدرة على التركيز، وكمن يعتاد على غشاوة تملأ عينيه، وفجأة تنقشع تلك الغشاوة، أصبح العالم أكثر جمالًا، وصرت ألاحظ الفراشات، عندما أجلس لأحتسي قهوتي في حديقة البيت، وصرت أغرق أكثر في تأملاتي، وباختصار: أصبحت أكثر قربًا من نفسي.
وإنني من مقعدي هذا الآن، وأنا أكتب هذه الكلمات أشعر بسعادة، وبطمأنينة، وهو شعور قلما يحسه إنسان القرن الحادي والعشرين؛ حيث يضطر لعقد المقارنات مع الآخرين كل دقيقة؛ ففي العالم الأزرق يحرص كل شخص على رسم الحياة المثالية له هناك، الكل يبتسم، والكل يسافر، والكل يحتفل، والكل يحرص على أن يقول للعالم ذلك. ما أجمل الحياة بعيدًا عن الصخب هذا كله، فأنا لم أعد بحاجة لإثبات أي شيء للآخرين، لا حاجة لي بأن أخبرهم في أي الفنادق نزلت، وإلى أي الدول سافرت، وماذا اشتريت، وماذا آكل، ومع من أقضي وقتي.

ومن عظيم النعم بأنني ضيقت دائرتي، واستبدلت بالدائرة الكبيرة الافتراضية، التي قلما كانت تربطني بأفرادها علاقة قوية، بدائرة ضيقة قوامها صداقة واقعية، واليوم لا مكان للفضوليين الذين يراقبون كل خطوة بصمت، ولا مكان للثرثارين الذين يصدعون الرؤوس بالحديث عن كل شيء وفي كل شيء.

أما الثقافة المزيفة، وأشباه المثقفين، والناسخون اللاصقون، فودعتهم إلى غير رجعة؛ ففي عالم يتشدق فيه الجميع بالعبارت المعلبة، وبالاقتباسات الجاهزة، أصبح المثقفون المزعومون يتناسلون بصورة غير مسبوقة، ولم يعد للبحث والاجتهاد والقراءة وصقل الموهبة أي مكان، ناهيك عن الإعلام الموجه الذي يعمل ببطء وبصمت في عقلنا الباطن.

ربما يخالفني البعض، ويعيبون علي أنني ذكرت كل سيئات العالم الأزرق، ولم أتطرق إلى أي من إيجابياته، كسرعة نقل الأخبار، والصفحات النافعة، والقدرة على حشد الجماهير، وتوحيد الناس، لهؤلاء أقول بأن فترة الحيرة الطويلة التي قضيتها قبل قرار هجري لمواقع التواصل كانت من أجل وزن ذلك كله، وربما بتم تعرفون الآن أي كفة قد رجحت، على الأقل بالنسبة لي.

أما البعض الآخر فربما يقول الآن: كلامك جميل، لكن ماذا نفعل؟ هل نتركه كليًا؟ هل نتركه جزئيًا؟ ما العمل؟ إنه جزء من حياتنا، ولا نستطيع إرجاع عقارب الساعة للوراء. هل نتركه لنتخلص من إدماننا ثم نعود إليه بعد ذلك؟ والحق أنني لا أعلم إجابة لكل تلك الأسئلة، لكنني أعرف شيئًا واحدًا فقط، وهو: حذار من استبدال الإدمان بإدمان آخر.

وفي النهاية أقول: هناك حياة حقيقية تنبض بالحياة، والجمال، خلقها الله من أجلنا، وهي تقع فقط على بعد نقرة واحدة من هواتفنا، هي حياة واحدة، وحري بنا أن نعيشها، وأن نتنفس هواءها، بملء رئتينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد