الصورة الأولى

أول صورة ارتسمت في ذهني لربي سبحانه تمثلت في جسد أمي رحمها الله تعالى، كان ميتًا بلا حراك، وساعتئذ قابلت (الله) عزو جل أول مرة بصفة (القادر) على أن يفقدني أحبابي من دون سابق إنذار.

ماتت (عائشة).

إذن كل ذخيرتي العاطفية، ومفرداتها من الدلع و(فركة الأذن) تلاشت. فقدت أشياء حلوة لم أعرفها إلا وأنا أرى أطفالي كيف تعاملهم أمهم اليوم، بموت أمي وأنا في الثامنة من عمري؛ (١٩٨٢) م و لم أك بعد قد اعتدت على أن أقول لها: “توبة ماما ما عاد عيدها”. ماتت كل طفولتي، “قدر الله أن يأخذها لعنده” هكذا نبهني الوالد طيب الله ثراه.

نزلت علي أمر الله وحكمه الذي لا أملك رده ولا أعرف وجه الحيلة فيه، خبر الوفاة كان النواة الأولى لما صب على رأسي من صهريج هائل من الأسرار المجهولة والأسئلة الكبيرة:

أين الله ؟! لماذا فعل هذا؟ لماذا خلقنا؟! لماذا لا أحد يستطيع أن يوقف الموت؟!

ولأنني ساذج كنت ثائرًا على كل ما حولي، وفي كل يوم تتجدد هجمات الاستفسارات على والدي رحمه الله ومع كل استفسار يجمد كل شعور.

 

الصورة الثانية

ولدت في منطقة الجسر الأبيض، حي دمشقي عريق سكنه الكثير من الصالحين الوافدين إلى دمشق وقد اعتادوا على القبول بالمتوارث دون السؤال عن أحقيته.

ثم إن محنة وفاة والدتي رافقها خراب (البلاد والعباد) على يد – حافظ أسد –كان عنوان العبث وفقدان الشرف، والخداع والكذب، والشك بالايمان ومنع البحث واللعب على الله وخلقه.

اعترف إنني كنت ساذجًا وشرسًا أيضًا ومتعبًا لوالدي يرحمه الله، وفي تلك الفترة لم أقتنع أن مشاهدة الله تتمثل بكرم الشفاه التي تهمهم بذكره، ولا بتلك الأنامل التي تسبح بحمده، سلوا من غابت عنه أمه كيف سيكون؟! زلزلة التاث عقلي بعدها فلا أنا عاقل ولا أنا مجنون، وبدأالتعجب، وكان علامة يقظة العقل الروح.

فقدت والدتي وها أنا أرقد في الفراش من دون حضنها، لا أنعم بلذة الشعور، والانتماء الى الحنان والطمأنينة، بين اليقظة والمنام كانت ذكرى والدتي لا تنفك عن توضيح الصورة لي أكثر وأكثر!

“الله قادر ولا عَبث معه!” قالها لي بابا! واحد إثنان ثلاثة، هوبه! طيب بابا كيف غلب حافظ الأسد الأخوان المسلمين؟
بهذا السؤال رشقت أبي فقفز والدي فوق سؤالي الغبي سياسيًا والمعارض للدين ظاهريًا، ورد علي: “هذا العالم يحكمه رب محاط بملائكة وقدرة وحكم نافذ لا يرد”، ولكنه بعد أيام كان يشرح لي أن من اتخذ الأسباب نجح حتى لو لم يكن مسلمًا وأن الله يعطي المسلم وغيره في الدنيا حسب جهده. شعرت أن حواسي الصغيرة ومداركي الأصغر، بليدة الحس ضيقة الأفق.

ومع هذا كان والدي يضع يده على فمي مخافة أن يخرج أمر نفسي من يدي فأصرخ: “يا ناس بابا يقول لي الله موجود وحافظ أسد قتل ورمل أهل مدينة حماه”، حاول بابا رحمه الله أن يُبين لي أن الحقيقة يعبث بها المستبدون، وأن العقول تفخخ وتستنزف بالحروف الكاذبة وأن الله لا يتدخل في مصائر الناس إذا هم لم يصنعوها! لكني لم أفهم في ذلك الوقت مبتغاه. عدا والدي كان كل من حولي يتحدث عن الله سبحانه، بطريقة مملة سقيمة، وبفضل التلقين غالبًا في المدرسة وفي المسجد أيضًا، وجدت نفسي أدفع نحو رفض هذه الرتابة، والبحث عن الله بعيدًا عن (القادر الذي يصيب القلوب بألم).

وسط الحزن والحيرة طلبت من أبي أن أتعلَّم الدين، -لم يتردد والدي بعد أن دفع بي إلى أختي الكبرى كي تتعهد بتربيتي، بعد وفاة أمي – أن يستجيب إلى مطلبي فساقني إلى شيخ لم أستطع أن أطيل المكوث بين يديه، لأغادر إلى مسجد آخر؛ وبدأ عقلي يمور، والشيخ ينور نفسي، وصهري يطلب مني أن أعمل كي أثبت رجولتي ووالدي يبارك ذلك. إن الإيمان فكرة وتصديق وإذا أردت أن تشاهد الله فأبذل عزمك، وإياك أن تكون شحيحًا أو ضعيف العزيمة وكن رجلًا تستحق أن تشاهد الله اذا كنت مؤمنًا لا يشوب إيمانك رياء ولا دهان ولا يخالط بشاشة قلبك خداع ولا كذب ولا ريبة.

هكذا علمني أحد تلامذة الشيخ جمال السيروان الذي غادر سورية فارًا بدينه من الأسد.

الصورة الثالثة

نزلت الحياة وشاهدت الله سبحانه و تعالى كما قال لي الشيخ إنه (الرزاق) و( الجواد)، “لا تخف ولا تقلق فقط اجتهد”؛ “الله حتما سيكون معك لن يتركك وسيرزقك كما يرزق الطير تمضي خماصا وتعود بطانا لأنها مؤمنة متوكلة على خالقها”.

“لا تثق بغير ربك وغير سعيك لنفسك وإلا فعكازة الآخرين سوف تسقطك وتدوسك الأقدام وتمضغك الأنياب”، شاهدت الله كيف يكون مع من يكون مع نفسه مجدًا، وأن من طال نومه انتكست رايته.

اختلفت مع صديق لي في المسجد، فقال الشيخ لي: “لابد أن يكون أحدكما خاطئًا”، برأت نفسي فورًا! وشعرت أن “الغالب والمغلوب في الحياة قد يستويا”، “وقد يتحول الغالب إلى المغلوب”، “والضحية إلى قاتل” “وتزور الحقائق”، يقولون: إن الولد سر أبيه، ويعنون بذلك أنه المرآة التي ترتسم فيها صورته، تداعى إلى فكري كلام والدي يا علاء: هناك جبابرة يدبرون المكيدة فيقتلون الضعيف، ويستعبدون الحر، ويستذلون الأعزاة ويسلبون كرامة البشر وحريتهم وإرادتهم.

هؤلاء الظلمة إن فشلنا في مقاومتهم، فالله لن يضيع حق المظلومين فهناك يوم قادم (القيامة) ومن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.

شاهدت الله سبحانه وتعالى وكيف يمنح (فرصة الحياة للجميع) و(حق الاختيار للجميع)، وكان الرب في جزء عّم وسورة النبأ يخبرني و يهمس في أذني عن ذلك اليوم الذي يقول الكافر فيه “ياليتني كنت ترابًا”.

الفأر أسعد حظًا منه، لقد كان الكافر رجلًا أو امرأة سترا الحق وأخفياه، وظلما من حولهما وسارا في الحياة بجهل موضوع وفشل مصنوع وكراهية للخير مؤكدة ودعوات للشر مزينة!

شاهدت الله. عادلًا ونحن ظلم؛ قال لي والدي: “لا أحب أن آكل الجبنة”، اسمها يبعث فيني الخور!، ولا البطاطا، إنها كبيرة الحجم وتصيب بالترهّل وبلا فائدة!”، لقد قتل ورحل حافظ أسد آخر الرجال المحترمين، لماذا نشرعن الباطل؟ كيف نقول: (سلام مع تحية لرئيس الجمهورية في المساجد)، ثم نسال الله أن يخلصنا من هذا الطاغية بعد أن شرعنا وجوده الحرام.

ولماذا نحمل الله فشلنا؟! وأدركت أيضًا أن الفاشل المقهور يعزو فشله إلى مجهول بعد أن خاف من مواجهة الواقع المعلوم فينسب كل تخلف إلى اللَّه سبحانه، مع أن الله رهن كل نفس بما كسبت وأوكل العمل إلى الناس والحساب عليه فكيف تسأله أن يجزل الثواب لك وأنت القاعد؟ ترنحت تحت هذه المعاني، وبدأت الحيرة تتبخر، ومع أن والدي كانت اللغة العامية خبزه اليومي إلا أن إشاراته كانت أبلغ من الفصحى.

الصورة الرابعة

أسعد الساعاتي، قدس الله سره؛ شاب منفتح ومتكلم، المكان: دمشق ساحة القصور سوق الخضار، سألته لماذا رجال الدين هكذا؟ رد بثقة: “إنه اختبار لك يا علاء، كي تفرق بين الأصلي وبين التقليد!

هناك أناس كالكتاب الأسود كلهم سقطات وإن كان ظاهر صفحاتهم بيضاء، وتحت لحاهم شياطين ترقص، ومن بين كلماتهم تتبدى نفوس مريضة لم تنفذ إليها أشعة التدين، لقد امتهنوا الدين وجعلوا لسانا يلعق أحذية السلاطين، لا تلم الدين يا علاء ولم عقلك إذا صدقهم. إياك أن تنسى أن هذا الكون خلقه الله وأرسل أناسًا ليكونوا أساسًا في البناء لكون جميل ولكن الناس تخون كلماتهم الطيبة، إبراهيم كادوا يحرقونه، ونوح عذبوه، وموسى رحلوه، وعيسى آذوه ومحمد شردوه، صلوات ربي وسلاماته عليه.

إذا أردت أن تشاهد الله ففرق بين الدين وبين التدين، ادع الله أن يزيل عن عينيك الغشاوة فتبصر الحق وتدرك الحقيقة، اسكب الدمع وكن صاحب قلب واجم ولسوف تدرك حقيقة أن الله معك في كل خطواتك، الدين ليس حرفة وليس دكانا وإذا صار مهنة فقد بات جثة هامدة وليس دينًا حيًّا!

علاء: لماذا خلقتني يا رب؟

 أسعد: لو أن غريبًا وفد إلى قرية هل الأسهل أن يعتمد على نفسه أم أن يسترشد بمختار القرية؟!

أجبته: الأسهل أن يسأل.

 أسعد رحمه الله: “طيب، خلقك الله لأنه يحبك لا ليعذبك، ضيق دائرة المحرمات ووسع دائرة المباحات، وطلب منك أن تحافظ على إنسانيتك، وجعل الكون كله خادمًا لك، والدين جاء ليرفع عنك القيود والأوهام إنه خادم لك يريد بك اليسر ولا يريد لك العسر”.

قل لي يا علاء: “هل إذا ضربت صديقك من العدل ألا يحاسبك المعلم على فعلتك؟ هل الله يجبرك على ضرب صديقك أم أنت من اختار ذلك؟!  وهل إذا حاسبك الله على فعلتك يكون قد ظلمك؟”.

هجوم مسلح بالأسئلة بادر به أسعد يرحمه الله تعالى، كي أهب من سباتي، وينحني رأسي، أمام جمال الله وحبه. بت على ثقة وإدراك أني ولمجرد دقيقة سأجن إن لم أكن على يقين بوجود ربي، أنا بلا رب أنا ضائع.

أنا بإحساس مبهم، لا أثق بنفسي، ولا أثق بمن حولي، إنسانيتي لا تكفي فهي متقلبة مع مصالحي، خلقني الله كي أستمتع بهذه الحياة وأدرك سر النفخة الأولى أنا من روحه وعلي أن أمتحن قدراتي بين الوثوق والشك.

ومن غير الإيمان فلسوف يسود قانون لا يرحم، قانون الافتراس، صراع بلا حد وعد بين الضعيف والقوي إما قاتل وإما مقتول! في سري في جهري غير جلالك لا أدري.

ماذا نفعت بشار الأسد الكرافتة الحمراء، وادعاء العلم والثقافة بعد أن فقد الإيمان حتى وإن طبع المصحف ووزعه؟!  إنه مثل أبيه قاتل ابن قاتل، إننا نفقد بتجاوز السنوات إحساسًا غريبًا هو لذيذ ومخيف في آن واحد، بأن وراء ما يحصل في سوريا ترتيب جديد يرسمه القدر ويخفى على كثير من البشر، يخاطبنا الله أحيانا صراحة ورمزًا أحيانًا إنها خسارة واضحة إذا لم نكن على مستوى الحدث، نهبط من راحة التأمل والشهود إلى مألوفات سابقة تافهة فقدناها، كانت تنويعات وتموضعات توافقنا عليها دون أن نحس بعيبها، اصطلحنا عليها وقلما نناقشها. لقد شرعنا الفساد وما أصابتكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم.

الصورة الخامسة

أحمد معاذ الخطيب، مثالي واقعي رقيق العواطف أصيل المواقف، يجمع بين العلم والرجولة والشجاعة الأدبية صار نجم خطباء مدينتي الغالية دمشق. منذ أن تعرفت عليه صدقه عقلي قبل أن يحبه قلبي.

جاء المساء وشعشت الأنوار الكهربائية، ولاح الفجر، وأنا أتأمل في كلام أستاذي أحمد معاذ الخطيب رجل استعصى على السلطة فرفض أن يطوع أو يضارع المشهد، وأيقظ نغمة الفرح في داخلي.

أتريد مشاهدة الله يا علاء؟ آمن بأن الاسلام أكبر من أي راية رفعت باسمه، المعرفة سطوتها تتكلم فتجعل الجهل يتراجع ويتألم، تعلم يا علاء اقرأ واقرا واقرا وإياك أن تسجن عقلك ولا تكن قصبة تدوسها الأقدام.

معاذ الخطيب مهندس الكلمة المتدينة العاقلة؛  لسوف تشاهد الله بعيدا عن الخوف والتشاؤم وأنت تفكر في المستقبل لا تحبس نفسك في الماضي، إياك أن تتجمد أو تتحنط، الخبز الطازج إذا أصبح بائتًا شتان بين الطعمين!

إن الرجل كان وما زال كزهرة نبتت في ظل الصخور المتعالية لسوف يترك الناس تلك الصخور وتظل الزهرة هي محط الأنظار فقط لأنه شاهد الله. وعلمني أن الله موجود في عينيك المغمورتين بالدموع لمأساة طفل، وفي روحك التي تخفق لكل ظلم، وفي كلمة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد