يبلغ الناس العشرين فالثلاثين.. فالسبعين، يمرون بتجارب يعرفون منها أو يقرءون حكمة فيعلمون بها، وفي كلتا الحالتين تزداد خبراتهم بمرور الزمن فتزداد مرونة تعاملهم مع الحياة.

قد يقضي ذو الأربعين حياته جالسًا وقد يقضي ذو العشرون حياته واقفا، فتنمو مرونة وخبرة الأخير ولا ينمو مع الأول سوي سنه.. فالخبرة لا تقاس بالعمر وإنما تقاس بكثرة السعي والحركة والبحث.

لا أدعي الخبرة ولا أستعرض الثقافة فما نعرفه نقطة، وما لا نعرفه محيط، وما أنا إلا محصلة تجارب وعلم لا يذكران.. ولكن ألهمني الحماس لأكتب بعض ما عرفتني إياه تجاربي، وعلمتني إياه قراءتي، وألهمني الخيال فرأيت في عيون القارئين مدحهم لأسلوبي في التعبير عما يدور في عالمي.. ألا أستحق بعض وقتك؟

في التكيف مع البيئة

ينشأ بعضنا، بل المعظم في بيئةٍ غير سليمة فكريًا، أو أخلاقيًا، أو عمليًا، أو أيًا كان، ونسمح لا واعين بأن تضع البيئة بصمتها علي سلوكهم وواقع حياتهم الخاص.
نحن نؤقلم واقعنا على أساس هيئتنا الظاهرة في المرآة، وبعضنا يجهل والبعض الآخر يظن ولكن لا يؤمن أن تلك «الأنا» الظاهرة أمامنا يمكن تغييرها بإرادتنا، فما هي إلا رسمة تطبعت بداخلنا نتيحة لما نراه في عيون الآخرين من صفات وأحكام تعودنا عليها فينا.. نغفل عن حقيقة أننا نحن الذين نبني شخصياتنا ونختار صفاتنا لا الآخرين بأحكامهم.
نعتقد أن الطبع الذي تركناه في نفوس الناس عنا لا يمكن تغييره، لكن الحقيقة أن المرء إذا أراد تغيير شخصيته وصفاته في نفسه وفي نفوس الآخرين كل مدة كما في الأفلام السينمائية.. لفعل، ولكن عليه أن يتقبل عدم المثالية في عيون الآخرين في بداية التغيير حتى تصبح تعودًا، ثم تصبح مثالية، ثم نسيان القديم بعد ذلك، ولو ركزنا مع من تغيروا من معارفنا لوجدنا أنهم بالفعل قد فعلوا ذلك بطريقة تلقائية لا واعية.

ومن هنا يمكن التغلب علي ظلم البيئة أو الزمن أو الظروف التي نشأنا فيها فأنشتنا علي هيئة قد لا نريدها ولا نرحب بها، ولكن نتعايش معها لمجرد التعايش، والتأقلم، والبقاء.

إلهام الوحدة

استلهمتني نظرية عن ذلك الشعور المؤلم المسمي بالوحدة فوجدت أننا نبالغ في الألم بالسماح له بالتدفق في أفكارنا، فذلك المتألم الذي يدعي بالوحدة قد فشل في تنفيذ دوره في حياة من حوله، ولم يدرك بعد أن البشر وسائل واحتياجات في حياة بعضهم؛ فلم يلب دوره، وبالتالي أوصله عدم إدراكه لهذا الواقع للشعور بالوحدة.
قد تكون تلك النظرية صورة مجازية مؤلمة، ولكن إذا أدركناها بعقولنا لا بقلوبنا سنأخذ الأمر بغاية البساطة وسيقول ذاك الوحيد: (أنا وحيد لأني مقصر مع من حولي).
عرفت أني عندما أشعر بذلك الشعور المؤلم فعليًا بالمبادرة لأقوم بدوري، وألبي حاجة الآخر، فأشعره بكيانه، فيقوم هو بدوره، ويلبي حاجتي ليشعرني بكياني، ولو برسالة إلكترونية فالوحدة وحدة وجدان لا أبدان.. فلابد للناس عن الناس حتى يشعر كل الناس بكينونتهم في هذه الحياة.
عرفت أن علي المبادرة؛ لأن الحاجة لا بد من إشباعها لمتابعة مسيرة الحياة وليس في المبادرة حرج ولا خدش للكبرياء.. ولكن بالرغم من ذلك فالعالم مليء بالأشخاص العزل الذين يخشون المبادرة ويجهلون تلبية حاجة البقاء.

وحي فيما بعد المراهقة

من بساطة الطفولة إلي عناد المراهقة.. المراهقة؛ ذلك التعبير الساذج الذي لا يوحي إلا بعدم العثور علي النفس وعدم استيعاب أمور الحياة، يوحي فقط بالأنانية والتفكير في جهة واحدة فقط ألا وهي «نفسي».
عرفت أن «الأنا» المراهقة تريد كل شيء علي حساب أي شيء.. لا تتحلي بأي نوع من الصفات أو الأفكار البناءة فقط تقوم بالعدوان، والتمرد، والعصيان، تجلس في عالمها الخاص المحاط بدائرة مغلقة من الأفكار السلبية الناشئة عن عقل منطفئ من الحياة، الدائرة المليئة بالمشاكل النفسية من معظم المواقف.. المليئة بصراع الدين وصراع الجنس الآخر والمشاعر الفياضة الطاغية على المنطق والعقل.
الحياة هناك ليست بيضاء كما كانت في الطفولة، بل أحيانًا رمادية، وأحيانًا سوداء، والعالم ليس لطيفًا، بل عدائيًا في أغلب الأوقات والأماكن.
لكن في نهاية جولة هذا العالم بدأت أتعلم ألا ألغي كل نعمة وأعمم كل ناقص قد أحققه بالسعي والوقت، وأن النعمة قد تأتي متنكرة في صورة بلاء مؤقت.
عرفت أن تلك المحاضرات المملة اللانهائية هي بالفعل مهمة، بالرغم من تفاهتها من منظوري في ذلك الوقت، فبدونها قد يلوم المرء والديه إذ لم يلقاها في تلك الفترة من العمر.

علمت أن مشاعر الحب في تلك الفترة والتي هي معظمها ماهي إلا إدمان لشخص لا نعرف عنه إلا القليل، لكن نستمد منه شعور الانتشاء للسعادة وتعويض النقص والفراغ، وما الشوق إلا نتيجة خطأ استهلاك ذاكرة القلب بدلًا عن ذاكرة العقل لتخزين الأحداث، وما هي إلا علاقة مبنية علي لا شيء وتجربة حتمية مررنا بها معظمنا أو سنمر.

في العلاقة مع الله

نختلف في أعمارنا التي ننفتح فيها علي حقائق الحياة، نختلف في الأوقات التي تستجيب فيها لهدي الدلالة، فكثيرًا ما نغفل عنها وقلما نستجيب لها، فإذا ما استمررنا في اتباعها واهتدينا لأمرها تبدأ هدي معونة الرحمان في هدينا، ومن هنا يبدأ استيعاب مسيرة وجودنا ووضوح أهدافنا فنسعى، ونبحث في الوصول عما نطمح، ونريد ونعيش حياتنا بالقناعة، وذلك لنور إدراكنا بنهاية المسيرة.. بلقاء الله عز وجل وإدراكنا لعطاء الألوهية الذي يعيننا في تلك الدار.. دار الشقاء.
وعطاء الإلوهية أقوي من عطاء الربوبية الذي يسري علي جميع البشر والمخلوقات باختلاف أنواعهم وجنسياتهم ودياناتهم، فهو عطاء مخصص للمؤمنين الموحدين المرزوقين بمفهوم القناعة وتقدير قيمة الحياة.
فنحن نخرج من بطون أمهاتنا بفطرة ربانية سوية، لكن تشوهنا الحياة علي وجه العموم وتشوهنا بيئاتنا علي وجه الخصوص بتسميم أفكارنا فمشاعرنا فسلوكنا، فتختلف كمية المساوئ فينا باختلاف بيئاتنا علي مستوي الفرد.
ومهما ضللنا تبقي في أعماقنا تلك الفطرة الربانية لكن تبقي منسية غير مرئية مغمورة بضلالنا، فتأتي هنا دور الصلاة التي تذكرنا بها، وبانتظام الصلاة تنمو تلك الفطرة فينا فتهتدي عقولنا، ويتبع عقولنا هدي أفكارنا، فتسلم أحاسيسنا بسلام أفكارنا ويصح سلوكنا فيسير واقع حياتنا كما نحب ونرضي وبرضا الرحمن نتمتع، وينير طريقنا.
كل هذه حقائق علمت بها بعد معاناة الخذلان وزيادة العرضة للتدمير النفسي، لكن يشاء الله أن يهديني لتوسيع آفاقي وبدء رحلة استيعابي.

بحثت عمن أستعين به في وسط مجتمع غير مثقف بكيمياء الحالة النفسية فلم أجد، فأدركت أن الشكوي لغير الله مذلة، وأن الاحتواء وفضفضة القلوب لا يوجدان في مكان أفضل من الجلوس على سجادة الصلاة باسترخاء في غرفة مغلقة لا يراك ولا يسمعك إلا الله، ولا زمان أفضل من وقت الصلاة.. فما أسعد من قلب مليء بحب الله في زمن قد امتلأت فيه القلوب بحب غير الله.

هناك العديد من الفرص التي يمنحك الله إياها أدركها واستثمرها فلا يمكنك هزيمة الموت، ولكن يمكنك التغلب على موت الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العشرين
عرض التعليقات
تحميل المزيد