عندما نجلس نتأمل في أحوال الناس اليوم سنجد أن كثيرًا من قلوب الناس مريضة، ليست سليمة؛ لماذا؟ لأن الناس ابتعدت عن الوحي، وغاب عن حياتهم، لذلك سنستعرض سويًا أحوال العرب والجزيرة العربية قبل نزول الوحي؛ لكي نرى عندما يغيب الوحي عن حياة الناس ماذا يحدث؟

أولًا لما غاب الوحي عن الحياة السياسية

غياب الوحي عن الحياة السياسية في مكة كان له أثر كبير؛ فالصراعات قائمة، وحب السيطرة وفرض النفوذ ملموس، وطبول الحرب تدق من حين لآخر، فتجد البلاد اليمانية اعتورتها حكومات متعددة أعظمها حكومات التبابعة من قبيلة حمير.

وكل من الأحباش والفوارس قد استعمروا اليمن بواسطة اليمنيين الذين يستنجدونهم في ظروف معينة، وسيطرة الحكم الفارسي على شرق الجزيرة من الحيرة إلى العراق، ولم تكن وقتها إلا ولايات تابعة لهذا الحكم حتى جاء الإسلام.

وأن ملوك المناذرة لم يكونوا مستقلين في الغالب، وإنما هم تابعون سياسيًا للحكم الفارسي المجوسي.

وعند الحدود الشمالية للجزيرة العربية نجد الحال كما هو في الشرق لم يكن فيه حكم عربي خالص، وإنما كان تابعًا لحكم الروم والغساسنة فيه كالمناذرة في الشرق سواء بسواء.

وعندما نأتي لوسط الجزيرة العربية، حيث الحرم وما جاوره من ديار العرب العدنانيين كان مستقلًا لم يحكمه الروم ولا فارس ولا الأحباش؛ لأن بها بيت الله الحرام، والله تبارك وتعالى هو من تكفل بحفظ بيته الحرام من كل مغتصب أو حاقد أو مشرك، ولنا في حادثة الفيل عبرة.

فلما غاب الوحي عن الجزيرة العربية حل ظلام الصراعات، وأصبح الناس يتحاكمون إلى أهوائهم؛ فنشأت سياسات تفرق ولاتجمع سياسات تنصر الظالم على المظلوم.

لما غاب الوحي عن الحياة الاقتصادية.

إن بلاد العرب بأقسامها الآنفة الذكر لم يكن فيها اقتصاد ذو قيمة تذكر، بواد صحراوية إلا ما كان من بلاد اليمن؛ فقد كانت بلادًا خصبة في الجملة، ولاسيما أيام سد مأرب؛ حيث ازدهرت الزراعة والفلاحة عامة بصورة تدعو للعجب، وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم، قال تعالى: (لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور).

فلما انصرفوا عن الوحي وغاب عنهم سلبهم الله ما أعطاهم؛ فخرب سدهم، وأجدبت أرضهم، ورحل عنها أكثرهم؛ فالتحق بعضهم بالعراق، وبعضهم بيثرب، ومنهم الأوس والخزرج، وآخرون بالشمال والشام.

لما غاب الوحي عن الحياة الاجتماعية

أولًا كان عادة سكان المدن في الجزيرة كمكة والطائف وصنعاء ويثرب ودومة الجندل وغيرها أن يلعبوا القمار المعروف بالميسر.

ثانيًا شرب الخمر والاجتماع عليها.

ثالثًا نكاح الاستبضاع، وهو أن تحيض امرأة الرجل منهم، فتطهر، فيطلب لها أشراف الرجال وخيارهم نسبًا وأدبًا ليطأوها من أجل تنجب ولدًا يرث صفات الكمال التي يحملها أولئك الواطئون لها.

رابعًا وأد البنات، وهي أن يدفن الرجل ابنته بعد ولادتها حية في التراب مخافة العار.

خامسًا قتل الأولاد مطلقًا ذكورًا وإناثًا عند وجود الفقر والمجاعة.

سادسًا تبرج النساء بخروج المرأة كاشفة عن محاسنها أمام الرجال.

سابعًا اتخاذ الحرائر من النساء الأخدان، أي الصاحب والصديق من الرجال.

لما غاب الوحي عن الحياة الدينية

وإذا تكلمنا عن الحياة الدينية عند العرب قبل الإسلام، فحدث ولا حرج؛ فقد انتشرت الأصنام والتماثيل، وأول من أتى بها من الشام إلى الديار الحجازية عمرو بن لحي الخزاعي، فكان أكثر ما يعمله العرب مع أصنامهم أن أحدهم إذا أراد السفر توجه إلى صنمه، فتمسح به، ثم سافر، وإذا عاد من سفره فأول ما يبدا به أن يتمسح بصنمه، ثم يدخل على أهله، ثم ظهرت مجموعة من البدع الدينية، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وبدعة الوقوف في الحج بمزدلفة، دون عرفة، وبدعة عدم الطواف في ثياب عصى فيها الله عز وجل، وبدعة الاستقسام بالأزلام، وبدعة النسيء، وهي تأخير حرمة شهر المحرم إلى صفر من أجل استحلال القتال في الشهر الحرام.

وإذا جئنا إلى اليهودية والنصرانية في بلاد العرب

لم تكن النصرانية ولا اليهودية في بلاد العرب ذات شأن يذكر؛ إذ الوثنية هي الغالبة، والفترة التي كانت النصرانية في نجران سليمة في معتقداتها وشرائعها كانت قصيرة جدًا، ولذا لم يقدر لها أن تنتشر في بلاد العرب.

واليهودية ما دخلت بلاد العرب، إلا بعد فسادها، لذا لم ينتفع بها أهلها في دار هجرتهم فضلًا عن العرب الذين نزحوا إليهم وسكنوا ديارهم.

لذلك، فكما رأينا إن غياب الوحي من حياة الناس، ترتب عليه انتشار الفتن، وازدادت الصراعات، وانتشرت البدع، وهذا ما حدث (لما غاب الوحي).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد