كعادتي وأنا برفقة أصدقائي، وكنوع من اللهو والترفيه، لا بد أن نقوم بجلسة من السخرية من بعضنا البعض، مرة لك ومرة عليك، فيمضي الوقت سريعًا، ويبقى صدى الضحكات راسخًا في الذهن، غير أنه في بعض الأحيان، ونظرًا لظروف معينة، قد تصير السخرية إهانة عن غير قصد، وفي أحيان أخرى قد تكون الإهانة مقصودة ومباشرة، فينقلب بذلك الوئام إلى ضغينة، فيا ترى ما الدافع من الإهانة؟ وماذا قد يترتب عن ذلك من شعور أو رد فعل؟

للبحث عن إجابة على هذه الأسئلة، كان لا بد لي من التفكير في المواضع والحالات التي يتم فيها استخدام الإساءة أو الإهانة، وبعد البحث في تجارب شهدتها وعايشتها، تبادر إلى ذهني حالتان:

أولهما الغضب، الغضب من فعل أو قول قام به أو قاله شخص ما، فثارت بذلك انفعالات لحظية، متمثلة في كلمات جارحة، ربطت قيمة ذلك الشخص وحددته بفعله أو قوله، فالإنسان عند غضبه يصبح أشبه بمن ينظر من ثقب الباب، فلا يرى إلا جزءًا من الصورة، وتتلاشى عنده محاسن الآخر وينصب تركيزه على مساوئه، لتصبح الإهانة أول ترجمة لهذه الرؤية، فتأتي كنوع من التوبيخ وكإعلان عن عدم الرضا، فيكون بذلك وقعها وتأثيرها على ذلك الشخص قويًا، فيغضب هو الآخر ويرد على الإهانة بمثلها، فيفقد كلا الطرفين السيطرة، ويصير الأمر أشبه بدوامة نهايتها مؤسفة.

لننتقل بعد ذلك إلى الحالة الثانية الأكثر إثارة للاهتمام، ألا وهي الاستمتاع بالإهانة، إنه ذلك الشعور الآني بالأفضلية والرضا عن الذات، والذي يمكن أن يؤدي في حال عدم السيطرة عليه، إلى مستوى متقدم من السادية، فأنت عندما تنقص من شخص ما، في موقف ما، فأنت في الواقع تحاول أن تبرز له ولنفسك انك أفضل منه، فتخدع نفسك، وتستمر في الغطرسة ضاربًا بضميرك عرض الحائط، وفي محاولة منا لتحليل هذا الشعور بشكل أفضل سنقوم بتقسيمه إلى درجات بحسب انقياد واتباع الشخص له وهي في نظري ثلاث:

الدرجة الأولى وهي الأبسط والأيسر، لكون التحكم في الشعور ممكنًا، فلا ينصاع صاحبه له بسهولة، غالبًا ما نجد هذه الدرجة بين الأصدقاء، فمثلًا عندما تصف أحد أصدقائك بالمغفل أو الأحمق أو أي مرادف لهذه الكلمة، فأنت تقنع نفسك تلقائيًّا بأنك لو كنت مكانه في تلك اللحظة، لتعاملت مع الوضع بشكل أذكى منه، ولكن هذا مع الأسف مجرد وهم خاطئ، فكل الذي في الأمر هو أنه أتيح لك وقت أطول منه في التفكير، كما أنك استفدت من خطئه، في هذه الحالة يكون تأثير الإهانة على الصديق لن أقول منعدمًا، وإنما ضئيلًا، وذلك لكون أن الأجواء بين الأصدقاء يطغى عليها المزاح والمرح.

لتأتي بعد ذلك الدرجة الثانية والأكثر خطرًا من سابقتها، إذ يكون الحقد والكره هو المغذي الأساسي للشعور، فمثلًا عندما يكون هناك شخص معروف بأخلاقه الحسنة، ولكنه أخطأ في يوم من الأيام، هنا سترى فئة معينة من الناس تسارع لسبه وقذفه، متناسين بذلك سوابقه وقيمه الفاضلة، وذلك فقط ليشفوا غليلهم المليء بالحقد والكره، ويبرروا فسادهم وفشلهم في عدم الوصول إلى مستواه، فيعيشوا بذلك لحظة زائفة من الرضا عن النفس، هنا يكون تأثير الإهانة قويًّا وثقيلًا على الشخص لكون أن الأجواء تكون مشحونة بالبغض.

أما الدرجة الأخيرة والأسوأ، أو بالأحرى الحالة المتقدمة من المرض، فتتسم بكون صاحبها لا يكتفي بالإهانة النفسية فحسب، بل يتجاوزها إلى إهانة جسدية، فيكون الظلم والاحتقار سلاحه من أجل البروز والتفوق، إذ لا يمكن لهذا النوع من البشر إن يصل إلى قمة الجبل أولا دون إسقاط منافسيه، ولا يمكنه أن يبقي حذاءه نظيفًا من دون أن يطأ على الناس.

هؤلاء البشر هم أخطر ما أنتجته البشرية، فهم من شوهوا وجه التاريخ بأعمالهم الدنيئة، وهم أيضًا من كانت نهايتهم الأسوأ، لأنهم حاولوا تحقيق أوهامهم النفسية على حساب الآخرين.

إذن فخطر الإهانة يكمن في عدم الاكتفاء بالضرر المسبب للشخص، والانقياد وراء ذلك الشعور الذي تولده، فيصبح المرء أشبه بمن كذب على نفسه، وصدق الكذبة، فيتيه بذلك في أوهامه المزيفة التي تعطيه صورة خاطئة عما حوله، فيغتر المرء بنفسه ويسقط في حفرة التكبر، فيفتح بذلك أبواب الشر على مصراعيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد