كلفت مديرية التربية مفتشًا من مفتشيها بزيارة إحدى المدارس، فذهب المفتش إلى المدرسة، وفي الطريق تعطلت سيارة المفتش، فوقف حائرًا رافعًا غطاء محرك سيارته، فمرّ طفل فسأله إذا كان يريد المساعدة، فقال المفتش: وهل تفهم شيئًا عن السيارات، فردّ قائلًا والدي يعمل ميكانيكيًّا وأساعده أحيانًا، فألقى نظرة على المحرك وطلب من المفتش مجموعة من المفاتيح والأدوات، وبعد دقائق من العمل والمفتش يراقب الوضع باندهاش طلب منه الطفل تشغيل المحرك، وفجأة عادت السيارة للسير من جديد!

شكر المفتش الطفل وسأله: لماذا لم تكن في المدرسة في هذا الوقت؟ أجاب الطفل: لأن المفتش سيزور مدرستنا اليوم، ولأني الأكثر غباءً في الصف كما يقول المعلم، فقد أمرني ألا أحضر اليوم وأبقى في البيت!

في الواقع، إن نهضة الأمم لا ترتبط بعدد السكان ولا بمساحتها، لا ترتبط بالشركات ولا حتى بعمرانها، فكل ذلك لن يتم في ظل وجود المعلم أعلاه الذي نحر الوردة من جذورها قبل أن تنشر عطرها، ولذلك لا تحزن أيها الطفل، لأنك بكل بساطة تعيش في بلد الأفكار فيه مشلولة، والعقول مخدرة، والمواهب يعيشون الوحدة، والشباب يائسٌ ومنحرف، كسروا الأقلام وكمموا الأفواه، فيا صغيري ابتسم فأنت الوحيد الذي ليس وحيدًا!

تحطيم الآمال ونبت سهام اليأس في صدور المحصنين بالعلم، بات شعارًا تمارسه الجهات المتنفذة في العراق، إذ إنك من أجل الوصول إلى إنجاز وتقدم لا يكفي أن تكون موهوبًا فحسب، الأمر يتطلب بعض الولاء لمن هم في السلطة، وهنا تكمن الكارثة، فهولاء يتمضمضون بعلقم الحقد والحسد، أو بمرارة السفه والجهل، وهم في ذات الوقت غير مستعدين لدعم هذه المواهب في ظل وجود من هو قريب منهم حتى وإن كان لا يقرأ ولا يكتب، فالمحسوبية هنا تقول كلمتها لا غيرها!

المشكلة الأكبر، أننا ومع كل دورة انتخابية نوهم أنفسنا بتغير تلك الوجوه، وزوال لعنة المافيات التي باتت تمارس دورها السلبي على المجتمع، متغطية برداء الدين وعباءة التقوى، لكنها في الأصل تعد المتسبب الرئيس لكل ما يحدث في العراق، فأحد أدوارها الذي يعتبر بسيطًا بالنسبة إليها، يكمن في الوقوف خلف ذلك الذي يتفاخر بشهادته المزورة، ويمارس عمله الإجرامي المبطن تحت قبة البرلمان، بينما تتغاضى عن ذلك الذي يحمل شهادات عليا، والذي يمكث في ركن جامعته وهو يلعنها ألف لعنة مع كل منديل يبيعه، ولكنه يبتسم لوقوف الحظ معه هذه المرة لأنه جالس تحت المطر الذي يغطي دموعه ويوهم الناس بأنه ماء!

وبالرغم من أن بطن العراق أنجبت النخيل والمبدعين منذ فحولة كلكامش، بل لا أبالغ إن قلت إن ما أنتجه العقل العراقي خلال الأعوام العشرة الماضية من كتب في مجالات الأدب والفن والفكر، كان كبيرًا إلى الحد الذي جعله يعادل نتاج أزمنة الحروب والحصار الهزيلة كلها.

لكن وفي مقابل كل ذلك، فقد افتقر المبدع والمفكر، بل جميع أهل العلم العراقيين إلى شيء واحد، وهو دافع التحفيز من الحكومة التي تنشغل بتوزيع «كعكة» المناصب في ما بينهم، بالوقت الذي ينتظر منهم الجميع أكل نصف واردات هذه الكعكة، وترك النصف الآخر لدعم العلم والمواهب في العراق، لكن من دون جدوى تذكر!

الأمر هنا اختلف، ومرحلة الصبر قد نفدت، فالانتظار يجعل الموهبة قيد الاغتيال، وصقل هذه الموهبة شخصيًّا يعد أشبه بالمستحيلات، فأنت في العراق إن كنت تفكر أن تصبح كفؤًا بمفردك ومن دون أجندات تدعمك، يجب عليك هنا تذكر، العالم في الطرد الذري الدكتور مجيد حسين، وكيف تمت تصفيته بعد عام 2003، بل يجب أيضًا تذكر الدكتور شاكر الخفاجي مدير عام الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية وطريقة تصفيته!

ما نريد قوله ووفق الإحصائيات المتواجدة، فإن وضع العراق البائس، وفساد الطبقة الحاكمة، وسيطرة بعض الجهات غير القانونية، وتنفذها على الحكم؛ أدى إلى هجرة أهل العلم والمعرفة خارج العراق، بعد الممارسات الوحشية التي باتت تشن عليهم، إذ يعتبر العراق البلد الوحيد الذي يحارب مبدعيه حتى يفشلوا، ويدعم الفاشلين حتى يصلوا إلى الحكم، ولهذا فإن هذا البلد أيضًا هو البلد الوحيد في العالم الذي ماضيه أجمل من حاضره، وستبقى لعنة حكامه تطارد الشعب ما لم ينزل الوحي عليهم ليحثهم على انتفاضة كبرى من شأنها إنصاف الجميع، وإحداث نقلة ولو بسيطة لنهضة هذا البلد العريق مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد