«أنت صغير، اترك هذه الأسئلة للكبار» هذه الكلمة التي صدمتني أول مرّة، لكن بعد مدّة أصبحت عنوانًا عريضًا أتوقعه، بل أضعه أعلى الصفحة وبالخط العريض أيضًا. وهذا حال الكثير ممن أرادوا أن يضعوا حدًّا للتلّقين وسمعنا وأطعنا، بل أرادوا الانتقال إلى مرحلة التفكير قبل أن يجتاحنا طوفان التكفير.

لا أنسى وأنا صغير بعد أن تخطيت الثانية عشرة أو الثالثة عشرة بقليل، كنت أتردد على حلقات العلم في مساجد المدينة وخاصة الفقهية منها. فالفقه أكثر ما جذبني إليه إضافة إلى علوم اللغة وعلوم القراءات؛ ذلك لما يُطرح في هذا العلم من أحكام وقوانين وتنظيمات وأدلة ومسائل وغيرها من أمور غريبة ونقلات بالزمان من زمن البعثة المحمدية وحتى قبلها مرورًا بجميع الأزمنة والأمكنة وما كان يعترض حياتهم من قضايا حتى عصرنا الحالي.

كانت الحلقة تزيد على 20 شخصًا أصغرهم أنا. لا أملك بالطبع كتابًا كالذي أمامهم، كوني مستمعًا أو متطفلًا دائمًا حتى أصبحت واحدًا من أفراد تلك الحِلق. يقرأ أحدهم كلمتين أو ثلاثًا وفي أحسن الأحوال ينهي سطرًا واحدًا ليوقفه الشيخ ويبدأ بتفتيت المعاني، وبسط الأمور، وحلّ الألغاز، وتفصيل المعقود من الكلام، وتفهيم غير المفهوم منه، وإيضاح ما حُجب عن أذهان السامعين. ولو قسنا ما كنت أفهمه من الدرس فالنسبة متباينة على حسب الموضوع وأسلوب الطرح فيه، والمسائل التي حواها. لكن بعد طول تردد على تلّك الحلقات وجدت أنّ الكثير ممن كان يحضر وهم أكبر سنًّا مني لم يكونوا يفهمون الكثير مما كان يقال وأحيانًا كنت أتفوق عليهم في بعض المسائل وطريقة فهمها.

كنت أسمع كلامًا أحيانًا لا يمكن أن أقتنع به، وقد أعرب في أحيان قليلة عن عدم اقتناعي بهذه المسألة أو تلك الرواية فيكون الردّ – بطبيعة الحال – أنك صغير على هذه المسائل وأنها من شأن الكبار والعلماء الأجلاء الفضلاء. مصحوبًا بابتسامة تنمَّ عن سخرية واستهزاء وشفقة. وبعد أكثر من مرة تكرر الشيء نفسه عدلت عن السؤال والاستفهام، ومع ازدياد حالات عدم فهمي واقتناعي ببعض المسائل وجدت أنّ من الأفضل لي أن أحصل على نسخة من الكتاب الذي يقرؤونه وأبدأ رحلة البحث.

وفي تلك الأيام لم يكن للحاسوب وجود فضلًا عن الإنترنت الذي الآن وبفضله بكبسة زر، كما يقال تعرف ما ترغب في معرفته وما لا ترغب في معرفته. فكلّما أعود من الدرس وقد استوقفتني جملة أو عبارة، ألوذ بالكتاب علّي أجد بغيتي. واستمر الحال معي حتى دخلت الإعدادية الإسلامية بدافع البحث والوصول إلى ما كنت أبغي، والحقيقة تُقال أنّي وجدت بعض ما كنت أبحث عنه من إجابات، ووجدت أيضًا الإجابة التي ما خطرت لي على بال أنّ العلماء الأجلاء، والكبار الفضلاء، أيضًا هم يجهلون بعض ما كنت أبحث عنه. بدعوى أنّ بحر العلم واسع وهناك من هم أكبر سنًا منهم وأكثر علمًا ربما غير موجودين في بلدي ولا يتسنى لي التواصل معهم؛ لأن الإنترنت لم يكن قد أخذ حظه منا بعد وانتشر في حياتنا كاليوم.

ظللت أبحث في المكتبات الإلكترونية الموجودة على أقراص CD وما توفر لي من الكتب الورقية، ولكن لا جديد إلا القليل. وبعد ولوج الشبكة العنكبوتية إلى حياتنا أخذت رقعة البحث في الاتساع، وأخذت أنواع البحث وأشكاله تتعدد وتزداد، لكن النتيجة واحدة. وقبل ذلك كان دخول الصحون اللاقطة (الستلايت) إلى البلاد فقد كان النظام قبل عام 2003 يمنعها. وبدأت بمتابعة البرامج الدينية والدعوية التي كشفت المأساة الموجودة على مستوى العالم الإسلامي ككل. فأيقنت أن بعض الأسئلة يبدو أنها غير مجاب عنها أو لا يراد الإجابة عنها في هذا التوقيت تحديدًا. إلى أن جاء تنظيم الدولة فأجاب عمّا بحثت عنه، وما لم أبحث عنه، أو ما لم يخطر على قلب بشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد