خلاف أيّ مكانٍ آخر، فإن قاعدة «الخطّ المستقيم أقرب مسافةٍ بين نقطتين» لا تُطبّق على الفلسطينيين؛ فالحواجز الإسرائيلية والمستوطنات والمناطق العسكرية المغلقة والطرق الالتفافية الاستيطانية وجدار الضمّ والتوسّع جعلت شبكة الطرق التي يسلكها الفلسطينيون بين مدن وقرى ومحافظات الضفة الغربية كطبقٍ من المعكرونة المتشابكة.

فلو أراد شخصٌ التوجّه من مدينة بيت لحم إلى رام الله التي تبعد حوالي 20 كيلومترًا، فإنه وبسهولةٍ يستطيع بسيارته أو وسائل النقل العام السير شمالًا مرورًا بالقدس الشريف، ليصل رام الله في مدّةٍ لا تتجاوز الساعة في أوقات الذروة والازدحام، لكن إن كان هذا الشخص فلسطينيًا، فإن تلك الرحلة القصيرة بالنسبة له ستكون عبارةً عن طموحٍ وصل مرحلة الحُلم؛ فبمجرّد أن يقترب من المدخل الشمالي لبيت لحم، فعلوّ عشرة أمتارٍ من جدار الفصل الإسرائيلي الذي يشقّ شارع القدس-الخليل التاريخي سيكون أكثر من كافٍ ليُذكره أنّ القدس محتلّة، وأن عليه سلوك طريقٍ آخر مليءٍ بالقهر والألم والأشواك بأضعاف الوقت والمسافة.

لتبدأ الرحلة التي لا تقلّ مشقّةً عن مشقّة السفر على السائقين والركّاب بالانحدار شرقًا نحو غور الأردن، والالتفاف حول القدس التي يُمنع على الفلسطينيين دخولها إلا بتصريحٍ خاص، قبل الصعود من جديد إلى مشارف رام الله غربًا، عبر سَلك طرقٍ جانبيةٍ مُعظمها متهالكٌ نتيجة التهميش وقلة الإمكانيات لدى الجهات المسؤولة الفلسطينية أو بسبب سياسات الاحتلال تجاه المناطق المُصنّفة «ج» والتي تُعاق عمليات إنشاء وصيانة البُنى التحتيّة فيها عَمدًا؛ أملًا منهم في أن يجد سُكانها الفلسطينيون سببًا آخر يدفعهم لتركها.

وفي ذروة الاستشراق والهبوط نحوّ غور الأردن والاقتراب أكثر وأكثر من أخفض نقطةٍ على سطح الكرة الأرضية –البحر الميت- خلال تلك الرحلة، وقبل الوصول إلى نقطة التحوّل في الاتجاه إلى الغرب، تبدأ تلك الخيام والبيوت البدويّة الهشّة المترامية على جوانب الطريق بلفت انتباه المسافرين، فيعرفون أنهم وصلوا إلى «الخان الأحمر».

تقع منطقة الخان الأحمر على طريق القدس – أريحا في المساحات الصحراوية غرب البحر الميت والمعروفة «بِبَريّة القدس»، وسُمّي بهذا الاسم نسبةً إلى المبنى القديم القائم على أنقاض «دير مار أفتيموس» الواقع على إحدى التلال الملاصقة للطريق، والذي اتخذته القوافل والتجّار نُزُلًا في وقتٍ ما فأطلق عليه هذا الاسم لاحمرار حجارته [1]، قبل أن تحوّله الحكومة الأردنية بين النكبة والنكسة إلى مخفرٍ للشرطة إلى أن انتهى به الحال اليوم ليهوّد مثل كلّ شيءٍ في فلسطين ويصبح متحف «خان السامري الصالح».

وفي العام 1952 انضمّ إلى الأعداد القليلة من البدوّ الذين سكنوا الخان الأحمر بضعُ عائلاتٍ من «عرب الجهالين» الذين جاءوا من صحراء النقب مع موجات التهجير القسري التي تلت النكبة، والذين وجدوا أنفسهم تحت وطأة الاستعمار منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، عندما دُكّت أحجار الأساس الأولى لمستوطنة «معالي أدوميم» إحدى أكبر مستوطنات الضفة الغربية اليوم، والتي –بالإضافة إلى مشروعاتٍ استيطانيةٍ أخرى- مزّقت أراضي الخان الأحمر واستولت على مساحاتٍ واسعةٍ منها. [2]

ولمّا كان ذلك غير كافٍ لإقصاء تلك التجمعات البدوية الصغيرة عن الخان الأحمر، انتهجت حكومة الاحتلال الإسرائيلي دوّر الجلّاد الذي حوّل نفسه إلى ضحيّة، ومع إضفاء شرعيةٍ على المستوطنات الهادفة إلى تطويق الخناق حول القدس وفرض واقعٍ جديدٍ تحت مُسمّى «القدس الكُبرى»، قرّرت المؤسسات التشريعية والقضائية الإسرائيلية بعدم قانونية تلك التجمعات البدوية التي وجد سُكانها من الإنس والأنعام أنفسهم في مواجهة أعقاب البنادق والجرافات بأيديهم الخاوية، وأصبحوا بين أنياب الاحتلال الذي لا يشبع من سرقة كلّ شيء.

واليوم كلّ الكاميرات والأعين تنظر إلى الخان الأحمر، ليعلموا أن الجدران مهما عَلَت فإن الرسومات التي خطّها طفلٌ فلسطينيٌ على كرّاسته قد وصلت إلى ما هو أبعد من النجوم، ويعوا أن الأرض مهما تسرّطنت بالمستوطنات فإن تجذّر الأرض وأصحابها أقوى وأعمق، ومثلما أصبح الصبيّ الذي رعى الأغنام في شِعاب مكّة مؤسّس دولةٍ وأمّةٍ اتسعت من الصين شرقًا حتى الأندلس غربًا، فإن رعاة الأغنام في الخان الأحمر سيهزمون بصمودهم وثباتهم وتمسّكهم بحقّهم كل الترسانات والتكنولوجيا العسكرية، وسيذكر التاريخ يومًا كيف أن كيانًا من ورائه الشرق والغرب بجبروته وجنوده هُزم أمام أطفالٍ تحدّوا الشمس الحارقة والسيول الجارفة ليصلوا إلى بِضعة ألواح من الزينكو فوق جدران الطوب تُسمى مدرسة الخان الأحمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] الدباغ، مصطفى مراد، “بلادنا فلسطين”، الجزء الثامن، 1991، دار الهدى، كفر قرع.
عرض التعليقات
تحميل المزيد