الحروف العربية كانت تنقط في المائة الأولى الهجرية وقبلها، كما تدل عليه النقوش، ولكن نقط الإعجام الذي كان في أواخر المائة الأولى المنسوب إلى نصر بن عاصم الليثي (-89 أو 90هـ) له معنيان: جَعْل ذلك في المصحف الشريف، إذ لم يكن منقوطًا، ولم يكن النقط مستعملًا في الكلام تامًّا ولا دائمًا، ثم ترتيب الحروف بحسب هذا النقط، وهو ترتيب ألف با تا، فجُعلت الحروف المتشابهة متجاورة، وفَرَّق بينها النقط، فقيل فيها: حروف المعجم، أي حروف الإعجام، فيكون المعجم مصدرًا ميميًّا، أي التي زالت عجمتها بالنقط، أي زال غموضها وخفاؤها على غير البصير، أو حروف الخط أو الرسم المعجم، أي المنقوط، فيكون المعجم اسم مفعول.

ولم يكن هذا الترتيب معروفًا، ولكن كان الترتيب المعروف ترتيب أبْجَدْ، وهو المستعمل في السُّريانية والعبرانية قبل هذا، فجاء ترتيب ألف با تا فنسخه، وصار هو الترتيب الإسلامي، وقد وُضع بمناسبة خدمة المصحف الشريف بنقط الإعجام تجنبًا للتصحيف. وصار ترتيب أبجد مستعملًا فقط في حساب الجُمَّل، أي إعطاء كل حرف عددًا على نظام معروف.

ثم يقول ابن ناصر في كتاب الرد الوافر ص25: أول من رتب الأسماء على الحروف من المحدِّثين أبو عبد الله البخاري (194- 256هـ) اهـ. ومن ههنا سمى أهل الحديث الكتاب المرتب على أوائل حروف الأسماء بحسب حروف المعجم، سموه المعجم، أي كتاب حروف المعجم، ثم اختُصر إلى المعجم، ومن أقدم ذلك «المعجم» لأبي يعلى الموصلي (210- 307 أو 306هـ)، فرتبوا الأعلام إما للترجمة، وإما لسياقة أحاديثهم التي رووها. فأهل الحديث هم أول من استعمل اسم المعجم في الكتب على هذا الوصف لهذا الغرض، منذ المائة الثالثة، وكثر ذلك في المائة الرابعة فما بعد. وتبعهم أهل الأدب، فسموا: معجم الشعراء، ومعجم الأدباء، ومعجم البلدان.

ولا نجد في اللغة كتابًا سمي باسم المعجم، إلا ما جاء من كتاب للزمخشري (467- 538هـ) يسمى: «معجم الحدود»، ولا يُعرف مضمونه، وكأنه في المصطلح العلمي، أي تعريف المصطلحات. ولكن ما نعرفه اليوم باسم المعاجم أو القواميس كانت تعرف بكتب اللغة، أو متن اللغة، أو فقه اللغة، أو علم اللغة، وأظن أنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأن الكتاب في اللغة إما أن يرتب على المعاني أي الموضوعات، لا الحروف، كـ«الغريب المصنف» و«المخصص»، وإما أن يرتب لا على حروف المعجم ألف با تا، ولكن على ترتيب المخارج الذي ابتدعه الخليل بن أحمد، كـ«العين» و«التهذيب»، وإما أن يرتب على حروف ألف با تا، أي حروف المعجم، ككثير من الكتب، فنوع واحد من كتب اللغة مرتب على حروف المعجم، وليس كلها كذلك، فلم يرتبط اسم المعجم بكتب اللغة لهذا السبب، فيما أظن.

وأما كتاب ابن فارس (329-395هـ): «مقاييس اللغة»، وقد نشر باسم معجم مقاييس اللغة، فلفظ المعجم مقحم في العنوان، تعريفًا بمضمون الكتاب وترويجًا له، ومثله: «بقية الأشياء أو بقايا الأشياء» لأبي هلال العسكري «من المائة الرابعة» نشر مرة باسم: المعجم في بقية الأشياء، وهذا من عمل الناشر لا المؤلف.

ثم جاء مجد الدين الفيروزآبادي (729- 817هـ) وألف كتابه: «القاموس المحيط»، ولفظ القاموس من القَمْس، جاء في العين: كل شيء ينغطّ في الماء فقد قَمَس… وفي المثل: بلغ قوله قاموس البحر، أي قعره الأقصى. اهـ. وما وصفه بأنه مثل، أصله حديث صحيح رواه الإمام أحمد وغيره عن ابن عباس من قول ضِمَاد الأزدي، لما سمع قول النبي، صلى الله عليه وسلم: إن الحمد لله نستعينه ونستغفره.. إلخ، قال: لقد سمعت الشعر والعِيَافة والكهانة، فما سمعت مثل هذه الكلمات، لقد بلغن قاموس البحر. اهـ. واللفظ قليل الاستعمال في الكلام، وقال المعري على عادته في الإغراب والاغتراف من كتب اللغة في شعره ونثره:

الحمد لله قد أصبحت في لُجَجٍ * مكابدًا من هموم الدهر قاموسا

وقال السخاوي في ترجمة المجد من الضوء اللامع 10/84: وألف فيها تواليف حسنة، منها القاموس، ولا نظير له في كتب اللغة، لكثرة ما حواه من الزيادات على الكتب المعتمدة كالصحاح… وأعراه من الشواهد اختصارًا. اهـ. وقوله: ولا نظير له يبين لك مكانة القاموس ووقعه عند معاصري المجد ومن جاء بعده، فقد تلقوه كما يتلقى العطشان الماء البارد، وسبب ذلك كما ذكر السخاوي اختصاره ووجازة عبارته، وما زاده على الصحاح من ألفاظ ومواد واستدراك، وذلك العصر كان يميل إلى المتون والجمع، فجاءهم المجد بما يروقهم في ذلك، ولو حُذف منه أعلام الناس والمواضع، وما حشاه به من الطب، لجاء في جزء واحد أو نحو ذلك. وقد كُتب عليه كثير من التحشية والتعقيب والشرح، ودرة ذلك كتاب الزَّبيدي (1145-1205هـ): «تاج العروس»، فكان القاموس الكتاب المنفرد في اللغة الذي شُرح كلمة كلمة.

وأما قبل كتاب المجد فلا أعلم كتابًا ألف باسم القاموس، وقال لويس شيخو في كتاب المخطوطات العربية لكَتَبة النصرانية ص13: ابن علي يشوع المتطبب النَّسْطُوري (نسبة إلى فرقة من النصارى) عاش في أوائل القرن العاشر للميلاد (أي الرابع للهجرة) له قاموس سُرْياني عربي، طبع قسمًا منه المستشرق هوفمان G. Hoffmann في كيال سنة 1874م. اهـ. وما في القوسين من عندي. وهذا لا يفيد أنه سماه القاموس، ولكنه يريد المعنى الذي يعنيه أهل عصرنا بالمعجم والقاموس، أي الكتاب المرتب على الحروف الذي يفسر ألفاظًا من اللغة، وقال ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء في ترجمة متَّى بن يونان (-328هـ) 1/235 (ط الوهبية): وله تفسير من السرياني إلى العربي. اهـ. فانظر كيف وصف المعجم ثنائي اللغة بهذا الوصف، على ما كانوا يعبرون به في عصرهم، كما عبر لويس شيخو بالمعهود في عصره. ومثله ما تراه في معجم المؤلفين مثلًا وفي غيره من أن فلانًا له قاموس في كذا، فهذا معناه.

ومن معاصري المجد الفيروزآبادي، أو بعده بقليل، كان عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم الجيلي (767- 832هـ)، ابن سبط الشيخ عبد القادر الجيلاني، له كتاب في التصوف دعاه: «الناموس الأعظم، والقاموس الأقدم». وله ترجمة في أعلام الزركلي.

ومن بعد عصر الفيروزآبادي سمى الناس الكتب باسم القاموس، فوجدنا: القاموس في الفقه، وقاموس الأطباء، وقاموس الشريعة، وقاموس العاشقين، وغير ذلك، ولم نجد كتابًا في اللغة سمي باسم القاموس.

وبعد ذلك اشتغل المستشرقون باللغة العربية وألفوا فيها كتبًا، فظهرت الحاجة إلى استعمال كلمة تقابل Dictionnaire أو Dictionary. وانظر مثلًا كتاب «اكتفاء القَنوع بما هو مطبوع» لإدوارد فانديك (كان حيًّا سنة نشر كتابه 1314هـ = 1897م)، ففيه فصل ص16 بعنوان: قواميس الإفرنج للغة العربية، وسرد منها خمسة عشر كتابًا مرتبة بحسب تواريخ نشرها، وكلها تفسر الألفاظ العربية باللغات الإفرنجية، وأقدمها نشر في ميلان بإيطاليا سنة 1632م، وبعضها على الأقل سمي بقاموس، وقال بعد السادس منها: وأساس هذه القواميس الستة التي وضعها الإفرنج هي القواميس، أي المعجمات، العربية الشهيرة. اهـ.

لكن تثبيت هذين المصطلحين: (قاموس ومعجم) للكتاب المرتب على الحروف الذي يفسر ألفاظ اللغة، إنما كان في سلسلة معاجم اللبنانيين النصارى، يأخذ بعضها عن بعض، وأولها أصلها الذي ترجع إليه وتبني عليه، وهو:

1- ما نشر في سنة 1867م في بيروت، أي قبل صدور اكتفاء القَنوع، باسم: «محيط المحيط»، لبطرس البستاني (1234-1300هـ = 1819-1883م)، وفي صفحة العنوان: كتاب محيط المحيط، تأليف المعلم بطرس البستاني، عُفي عنه، أي قاموس مطول للغة العربية، وفي المقدمة: محيط الفيروزبادي الذي هو أشهر قاموس للغة العربية. ولم يذكر شيئًا في (ع ج م)، وقال في (ق م س): والقاموس كتاب الفيروزبادي في اللغة العربية، لقّبه بالقاموس المحيط لاتساعه، وبُعد غوره، ومنه سمي كل كتاب في اللغة مشتمل على مفرداتها مرتبة على حروف المعجم مع ضبطها وتفسير معانيها بالقاموس، وهو من اصطلاح المولَّدين، ويرادفه عند العرب: اللغة، فإنهم يسمون القواميس بكتب اللغة. اهـ. فاستعمل لفظ القاموس، ولم يستعمل لفظ المعجم، ويفهم من كلامه أيضًا أن القدماء لم يستعملوه. وقوله: المولدين، ليس في محله، لأنه يراد به كل الذين جاءوا بعد عصر الاحتجاج اللغوي، أي بعد آخر المائة الثانية الهجرية، والأليق أن يقول: المعاصرين. ويحسن أن نذكر أن المؤلف جعل للكتاب مختصرًا سماه: «قُطْر المحيط».

2- وفي سنة 1889م صدر الجزء الأول من كتاب: «أقرب الموارد في فُصَح العربية والشوارد»، أي قبل كتاب اكتفاء القَنوع، وهو مذكور فيه، لسعيد الشَّرْتُوني (1265- 1330هـ = 1849- 1912م)، وقال في المقدمة: فلجّ داعي الاحتياج إلى وضع معجم يُطِلّ بالطالب على طَلِبته. وقال: المقصد الثالث في ذكر نزر من مما عثرتُ عليه في المعجمات من أغلاط النسخ والطبع. ولم يذكر ذلك في (ع ج م) منه، ولكن قال في (ق م س): والقاموس كتاب الفيروزبادي في اللغة العربية لقبه بالقاموس المحيط، ويطلقه أهل زماننا على كل كتاب في اللغة، فهو يرادف عندهم كلمة معجم وكتاب لغة. اهـ. وقوله: أهل زماننا، خير من قول محيط المحيط: المولدين. فهذا أقدم استعمال مدون وجدته للفظ المعجم بالمعنى المراد. وأضم إليه أنه مستعمل أيضًا بهذا المعنى في كتابة الشيخ رشيد رضا في مجلة المنار منذ صدورها سنة 1898م.

3- وفي سنة 1907م صدر كتاب باسم «معجم الطالب، في المأنوس من متن اللغة العربية والاصطلاحات العلمية العصرية»، طبع في المطبعة العثمانية ببلدة بعبدا بلبنان، لجرجس همّام الشُّوَيْري (1272- 1339هـ = 1856- 1921م)، وقال في (ع ج م) منه: ومعجم اللغة كتاب يحوي مفرداتها مشروحة ومرتبة على الحروف الهجائية، وهو المعروف عندنا بالقاموس. اهـ. وقوله: عندنا، مثل قول أقرب الموارد: أهل زماننا. وفي (ق م س): القاموس: البحر المحيط، وكتاب في متن اللغة العربية للإمام الشهير الفيروزبادي، وأطلقه المولدون على كل كتاب في اللغة يتضمن مفرداتها مشروحة. اهـ. وأخذ هنا لفظ: المولدون، عن محيط المحيط. وفي صدر الكتاب رسالة بعنوان: اللُّمَع النواجم، في اللغة والمعاجم، لظاهر خير الله الشُّوَيْري (1250- 1334هـ = 1834- 1916م). فهذا، فيما أظن، أول كتاب يكون في عنوانه لفظ المعجم.

4- وفي سنة 1908م صدر «الـمُنْجِد» للويس معلوف (1284- 1365هـ = 1867- 1946م) في بيروت، عن دار المشرق، وجاء فيه في مادة (ق م س) ما جاء في أقرب الموارد، غير أنه في طبعة سنة 1967م جعلوا مكان عبارة: يطلقه أهل زماننا: ويطلَق اليوم، مجاراة للتعبير العصري.

ولا بد أن نذكر هنا تتمة للتتابع التاريخي كتابين آخرين، أحدهما لأمين معلوف (1288- 1362هـ = 1871- 1943م)، ذلك أنه كتب في مجلة المقتطَف سلسلة مقالات منذ سنة 1908م بعنوان: «معجم الحيوان»، أي بعد صدور «معجم الطالب» بسنة، ثم صدرت في كتاب سنة 1932م. والآخر لمحمد دياب (1269-1339هـ = 1852-1921م) بعنوان: «معجم الألفاظ الحديثة»، صدر في القاهرة سنة 1919م. ولا بد أن نذكر أيضًا أن المعجم والمعاجم مستعملان في مجلة «لغة العرب» في كتابة صاحبها أنستاس الكرملي (1263- 1366هـ = 1846-1947م) وغيره منذ صدورها سنة 1911م.

5- وفي سنة 1927م صدر كتاب: «المعتمَد، فيما يحتاج إليه المنشئون والمتأدبون من متن اللغة العربية» لجرجي شاهين عطية (-1365ه = 1946م)، وأذكره لأنه ضمن هذه السلسلة، ولم أطلع عليه.

6- وفي سنة 1927م أيضًا طبع في المطبعة الأمريكية في بيروت كتاب: «البستان»، لعبد الله البستاني (1271-1348 هـ = 1854-1930م)، وقال في صفحة العنوان: وهو معجم لغوي، فترك ما في صدر محيط المحيط من قوله: قاموس مطول للغة. وله مختصر أيضًا يسمى: «فاكهة البستان».

ومن هذا يتبين أن استعمال لفظ «قاموس» للكتاب المفسر للألفاظ المرتب على الحروف أحادي اللغة أو ثنائي اللغة، لم يكن إلا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي (الثالث عشر الهجري)، ويتلوه في الزمن استعمال لفظ (معجم) لهذا المعنى، فلم يكن إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد