الخمايسي.. «المتوفى» الذي قَتل دون أن يَقتُل

لمَا طالعت مقالة الجيزاوي النقدية -إن كانت كذلك- والتي كانت بعنوان «قلم الخمايسي في ذمة الله» قفز إلى ذهني ذلك المشهد السمج – من فيلم اللمبي- الذي جمع بين «محمد سعد» و«حسن حسني» في العزاء، ينتظران أي حضور وكأن العزاء انقلب لحفلٍ ضل جمهوره الطريق!

وحتى لا تنقلب مقالتي إلى عزاءٍ لا حضور فيه، وجب عليّ أولًا أن أقيم الدعوى – الحُجة- بشكلٍ ممنطق مُستندًا على براهين -سقطات المقالة- أدبية قد توعك فيها الجيزاوي أثناء عرضه، وسوف أبدأ من حيث هذا السؤال: كيف نكتب مقالة نقدية صحيحة؟

المقالة النقدية الصحيحة تحتاج منا تفنيدًا للعمل محل الطرح، وتحليلًا مرفقًا بتبيان مواطن الضعف، وتسليط الضوء على الغث، وإظهار مواطن القوة أيضًا. فالنقد الأدبي يعتمد على أربع ركائز أساسية، هي:الاختبار: وهو الفحص والتدقيق والتأمل الواعي للنص محل النقد.

التمييز: وهو الذي يقتضي إلمامًا وخبرة كبيرة بأدوات النقد، أما أدوات النقد فتتمثل في ثقافة واسعة، وبصيرة نافذة، ومحصول كبير من الأدب العربي والعالمي.

الإيلام: وهو الشعور بمشاعر صاحب النص المنقود نفسها، والأمر هنا يتجه ناحية الجانب الإنساني، كيما يعتني الناقد في اختيار اصطلاحاته، ويضع نفسه مكان الكاتب، فيبصر رد الفعل الشعوري حيال رؤيته للنقد!

الحكم: وهو المرحلة النهائية التي تضعنا على نهاية الطريق، ولا بد أن تكون الشفافية والموضوعية عنوانًا لهذا الحكم.

ناهيك عن أنّ كتابة المقالة نفسها تحتاج إلى تقسيمِ فقراتي، يتكون من مقدمة، ووسط، وذيل أو/و خاتمة!

عندما شرع الجيزاوي في كتابة مقالاته، كانت القوة المُسيطرة عليه – في أغلب الظن- قوة التمزيق والتشريح متناسيًا أنّ هناك من يقرأ فيرى تلك القوة التي لا علاقة لها بالموضوعية، فخرج عن المألوف في عدة أماكن، وتناسى أصول النقد ومعاييره، وأهدر حق المقالة في تقسيماتها، فخرجت لنا جسدًا مترهلًا لا تفاصيل فيه.

لست بصدد الدفاع عن رواية «الخمايسي»، فعندي عليها من المآخذ ما يقبرها حية، ولكن من الأمانة الأدبية ألا نقف موقف الصامتين إبّان دراسة غير مهنية ولا موضوعية، يهم فيها كاتبها فقط للتشويه لا للتقويم.

حيَّ على نقدِ النقدِ

لغة المقالة: لو طالعت معي وسط المقالة تقريبًا لوجدت الآتي:

١- «ها ماذا تريد أن تقول يعني»؟

تلك العبارة -في رأيي- أقرب للعامية من الفصحى، فتشعر وكأن «الجيزاوي» يُعارك الكاتب بأسلوب سمج، لا أدب فيه ولا بيان! ولا أعرف صدقًا، أيعجز الجيزاوي عن قول -مثلًا- «كنت أريد أن أنتفض من وصف الخمايسي، ولم أفهم ما كان يرومه»؟

٢- «هو لا يدري (ماذا يُمكن أن يقول)» تلك عبارة «الجيزاوي» للتعبير عن استنكاره لحالة التيه التي أصابت «الخمايسي»، ثم يذيل عبارته السابقة بالعبارة التي تشهد أن ما قذف به «الخمايسي» قُذف هو به! حينما قال: «فظهرت اللغة ثقيلة تجر أذيال الحروف».
تالله ما رأيت أثقل من (ماذا يمكن أن يقول)، وسؤالي هنا: أيعجز الجيزاوي عن قول -مثلًا- «لم أستسغ قوله، ولم تتناسب لغته مع فكرته، وأصبحت مُتحيرًا ما الذي يريد قوله»!

٣- «مش فاهم بنطلونك يا أخي، ياله من بوكسر غامض غير واضح».
هنا الطامة الكُبرى، والكارثة العظمى والفجيعة المدوية، فعندما تتدخل العامية في صلب المقالة، تُفسد ماهيتها وتُثبت فشل «الجيزاوي» في كتابة مقالة سليمة من الأساس، وباتت الأسئلة وقتئذٍ تتزاحم في رأسي، فهل لغة «الجيزاوي» لم تُسعفه لتنقيح لفظه، واختيار مصطلحات قوية تضاهي هذا القصف المباشر، فيستعيض عن الإسفاف والابتذال بعبارات مُنمقة ذات صدى بلاغي وبيان جلي!

المقالة النقدية تختلف تمامًا عن «حكاوي المقاهي»، فعندما وصلت إلى تلك الفقرة، شعرت أنّ «الجيزاوي» جمع الجمع في إحدى المقاهي، والتفّ حوله من الصحبة من التف، وبدأ في عرض مسلسل بذيء بطله الأوحد «الاقتصاص أو/ والتمزيق».

٤- «أسماء وبس، آه والله العظيم، والله مش تهريج ولا ألش مني».
تلك إحدى عبارات المقالة، ويا ألف حسرة على هيبة المقالة وقيمتها بين فروع الأدب النثري، فهبط مستواها للحد الذي جعل لتلك المقالة النقدية رواجًا وانتشارًا، وباتت الحوارات العادية التي تحدث في محيط حياتنا اليومية تتدخل في العروض الأدبية، وهي المعضلة بحد ذاتها! ومن ثم سوف نقول:- ما الذي سيميز الأدب عن الحوارات والنقاشات التي تدور بين الشخوص العاديين؟ وما الفرق بين لغة الكاتب والأديب، وبين لغة الرجل البسيط العادي؟

شكرًا للجيزاوي الذي هبط بالنقد حيث أنابيب الصرف الصحي!

٥- أوَلم تعرف يا جيزاوي أنّ «بإحدى» تُكتب هكذا؟! وليست كما كتبتها أنت هكذا «بأحدى»، وغيرها من السقطات الإملائية والنحوية البشعة!

أوَلم تعرف يا جيزاوي أن المقالات النقدية التي كتبها العظماء، كانت نبراسًا ومرجعًا لصغار الكتاب لما فيها من قوة بلاغية وعظمة بيانية وعرض شيّق للتفنيد المطروح! ومن ثمّ كان لهم حقّ النصيحة للمبتدئين.

وها أنا ألقي هذا الاستفهام الاستنكاري عليك. فما الذي عاد عليّ كوني كاتبًا من مقالتك -إن كانت كذلك- سوى أنني عرفت أنك لا تعرف كيف تُكتب المقالة كتابة سليمة؟! أين البناء الدرامي لرواية «الخمايسي»، وأين انضباط حبكته، وأين بنية فصوله، وأين إداراته للحوارات البينية بين شخوص روايته وأبطالها! أين كل هذا من نقدك؟

يقول «نورمان فينسنت بيل»: إنّ مشكلة معظمنا هي أننا نفضل أن يقتلنا المديح على أن ينقذنا النقد، وبالمنهج نفسه استنكر «الخمايسي» نقد الجيزاوي -إن كان كذلك- واستنكرت معه أنا أيضًا النقد نفسه، ليس لأن العمل خلا من مواطن الضعف، بيد أن النقد ذاته يحتاج إلى نقدٍ!

ركّز «الجيزاوي» على فكرة العمل المسروقة من «ساراماجو»، وسقوط «الخمايسي» في بعض الأخطاء البلاغية، رغم أنّ الرواية أكثر من ثلاثمائة صفحة، ونسي وتناسى أن مقالاته التي لم تتعدّ الصفحة ونصف الصفحة غرقت بالأخطاء البلاغية، وفشل الصياغة؛ بل تملص من الفصحى في مواضع عدة، لجوءًا للعامية؛ لأن قريحته الأدبية لم تسعفه في الاستعاضة بعبارات بيانية محل العبارة الركيكة المُسفة!

الناس لا تستحق الكتابات الجيدة، طالما هم يستمتعون بالكتابات الرديئة. «رالف إيمرسون»، بل أضيف على عبارة «إيمرسون» أن الناس يستمتعون ويصدقون «الكتابات الرديئة والمُزيفة»!

والأصل في تلك الإشكالية هو «الفرقعة» أو حب الناس لمتابعة الفضائح والخلافات المُعلنة، فتلقى بعض الكتابات بعض الرواج والانتشار فقط لمجرد أنها تحوي بطياتها على كلمة مثل «البوكسر»، أو عبارة مثل «قلم الخمايسي في ذمة الله» لمجرد أنها تعد «قصف جبهة» بلغة رواد الشاشة الزرقاء.

أنهى الجيزاوي – حكاوي القهاوي- بنصيحة عظيمة أسداها «للخمايسي» يستحثه فيها لقراءة أدب العظماء؛ وأن يخرج من «سطحية الفكر» التي استوطن فيها، ونسي وتغافل أن يُذكر نفسه بأن يقرأ «مقالات سيد قطب، العقاد، لويس عوض، طه حسين، الرافعي، محمود شاكر، أدونيس وممدوح عدوان»، علّه يتمرس على كتابة المقالات النقدية بشكل محترف، وبحياكة كاتب قد أجاد التفحيص والتدقيق؛ فيضع حكمًا موضوعيًّا يخلو من الانتقامية والهرطقات.

وها هي نصيحتي إليك، يا من تعلم خبايا الأمور، ويا من تتربع على عرش التجديد والإبداع: «لا تلق بسهم يعجزك رده»!

إذا كان من الحق ألا يُمنَع صاحب الحق عن حقِّه، فمن الحق ألا يُعطى هذا الحق لمن لا يستحقه، ومن الحكمة والعقل والأدب في الرجل؛ ألا يعترض على ما ليس له أهلًا، ولا يدخل فيما ليس هو فيه كُفؤًا.
«الشافعي».

هاته العبارات المسهومة، تنصر الحق بمحقوقيه وتُبغض الباطل بمتبعيه! فهمهمة البعض و- بعض البعض- ممن ارتأوا في أنفسهم رجاحة العقل، وجودة اللفظ، وفطنة الكَلِم ليست بمعيارية لخوض حروب النقد، دأبهم دأب مغازلة العقول المثلومة بشفيف الحماسة! بيد أن الانقضاض على ذوي الأهلية النقدية وحاضني الأدب من المهد هدفًا مكلومًا لهم!

اتقاد الشغف بالتهليل، وشكيمة النفس للنفس، وجرأة الإقدام، تدفع مَن لا باع له لتصدُّر المقام، ومن الأوْلَى لهم ترْك الفرس لفارسها، والسهم لباريها، والتولي عن الزحف على مَن لا قِبَل له بهم.

ما زال الجيزاوي يتراقص أمامي بديلًا عن «اللمبي» في هذا المشهد السمج! ليثبت أنّ هذا العزاء الذي أقامه، لا حضور فيه، لأن الميت ما زال حيًّا بشهادة شهوده -حروفه- التي خذلته!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب
عرض التعليقات
تحميل المزيد