اعتادَ البعضُ في كل عيد استدعاء الآلام والأحزان، وكأنّ وقت حدوثها لم يتقدم أو يتأخر قيد أنملة عن موعد العيد، مما حدا بجملة «بأي حال عُدت يا عيد» لأنْ تصبح العبارة الأشهر المرافقة للأعياد، خاصة في ظل ما تُعاني منه الأمة  الإسلامية والعربية، من ويلاتِ حروب وفقد وتشريد! غير أنّ هذا البَعض لم يعِ مفهوم العيد جيدًا، العيد الذي جاءت به الشّريعة بعد عبادتين تَكبّد فيهما المسلم المَشقة والطّاعة،فاستحق العيد، استحق أنّ يُظهر الفرح والانبساط كما أمره الله.

ولذا فإظهار السرور في الأعياد طاعة نؤجر عليها، وَكما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «إِظْهَار السُّرُورِ فِي الْأَعْيَادِ مِنْ شِعَارِ الدِّينِ» فتح الباري (2/ 443). وَمن مشاهد الفرح والسرور في العيد في العهد النبوي، ما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه رسول الله عليه السلام فقال دعهما. فلما غفل غمزتهما فخرجتا. وكان يوم عيدٍ يلعب السودان – الحبشة – بالدرق والحراب، فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وإما قال: تشتهين تنظرين. فقلت نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة. حتى إذا مللت قال: حسبك. قلت نعم قال: فاذهبي» (رواه البخاري ومسلم). وفي رواية في مسند أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يومئذ لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أُرسلت بحنيفيةٍ سمحةٍ» (وهو حديث حسن).

إذن هذا ما جاء به ديننا هو فسحة للفرح والسّرور، تُطل علينا من بين حزن وَقهر، فُسحة للأمل يُطل من بين ظلام دامس يُحيط بنا من كل جانب، فسحة تجدد فيها النّفس البشرية القدرة على المضي، فسحة تستطيع أنْ ترى فيها الغد أفضل.

ما جاء به ديننا، لا ما حملته العادات والتقاليد البالية، التي أخذت تخلط علينا الفرح، أخذت تخلط علينا تعاليم الدين، فكأن لا يوم نتذكر فيه أمواتنا إلا يوم العيد، وكأنّ الفسحة التي أعطانا إياها الله خاطئة، وكأن قدرتنا على الفرح قد توقفت، حملت لنا هذه العاداتُ كثيرًا من الممارسات الخاطئة بدءًا بزيارة القبور، مرورًا بإقامة عيد للميت، وصولًا لرفض الفرح تماشيًا مع ما تمر به أمتنا.

وَبذا نكون تباعًا لذلك عطّلنا فُسحة عظيمة في ديننا، قوامها الفرح بعد طاعة، ننال بها الأجر والثواب، تجدد فينا القدرة على الاستمرار، أجمل ما فيها صلة رحم قد تكون شغلتنا عنها هموم الحياة، أرقّ ما فيها إدخال السرور على قلب لم يعرفه منذ زمن كيتيم أو مسكين أو جار فقير، ألطف ما فيها فرحة على ثغر طفل.

وَفرحة يوم لا تُلغي ما نشعر به تجاه أمتنا وآلام شعوبنا وفقدان أحبتنا، وإنّما إظهار الفرح والانبساط تطبيقًا لسنة الله ومن أجل إدخال السّرور على الغير، وَرفضًا لتقاليد عاثت فسادًا في تطبيق شرع الله، بل قد تكون فرحة العيد سببًا في إدخال الفرح على كثير ممن عانوا ويلات الحروب ومآسي التشرد.

في العيد لا تلتفتوا لأحزانكم أو آلامكم، لا تنبشوا الماضي كي تستخرجوا الأحزان، لا تفتحوا التلفاز على محطات الأخبار، لا تبحثوا عن الهموم، أغلقوا كل النّوافذ التي تجلب الألم.

استيقظوا يوم عيدكم عازمين على الفرح، مُتشبثين بالسرور، كونوا مصدرًا للانبساط تنثرونه حولكم كالضياء، ارفعوا أصواتكم بالتكبير، دعوه يُسكت كل أصوات الوجع التي تسكنكم، وتذكروا قول رسولنا الكريم «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، فإذا كان التبسم صدقة، فكيف بسرور يُسن لنا ونؤجر عليه؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمة, الفرح, سرور, عيد
عرض التعليقات
تحميل المزيد