في المشهد الافتتاحى للفيلم الهندى الشهير البُلهاء الثلاثة  “3 Idiots“ وعندما يروي أحدهم قصة مجيئه في الحياة متحدثًا عن الاعتقاد الذي تربينا عليه منذ صغرنا، وهو أنّ الحياة عبارة عن سباق، واستدل بمثال طريف يحدث معنا جميعًا قبل ولادتنا، وهو السباق الذي يحدث بين مئات الآلاف من الحيوانات المنوية، وفي النهاية يفوز واحد منهم فقط، ليخرج إلى هذا العالم أنا وأنت… نحن نمتلك شخصيات تنافسية حتى من قبل ولادتنا!

الهدف من السباق

منذ الطفولة وفي الفترة قبل التحاقنا بالمدرسة، ومع السؤال التراثي الجميل “نفسك تطلع إيه لما تكبر يا حمادة؟” وغرست بداخلنا طريقة التفكير الجميلة تلك. فمن المعروف أن اختيارات الجميع تقع في فئات محددة، ما بين ضابط شرطة أو جيش أو طبيب أو لاعب كرة محترف. وهناك بعض النماذج الشاذة من الأطفال يطمحون أن يصبحوا رسّامين أو فنانين، لكن نعوذ بالله من هذه الطموحات السخيفة. “هي الحاجات ديه بتأكل عيش في الزمن ده؟”

حقيقةً لا أعرف الهدف من هذا السباق، وكل محاولاتي للإجابة على هذا التساؤل باءت بالفشل.

ولكن هناك تساؤل آخر يجدر بنا التفكير في إجابة له، وهو هل تكونت بداخلنا هذه الفكرة؟

قواعد السباق

معرفة قواعد اللعبة قبل البداية تُسهّل من الفوز في اللعبة، ولسباق الحياة مجموعة من القواعد عليك اتباعها جيدًا كي تفوز، ولكن يمكن اختصار هذه القواعد في قاعدة واحدة ذهبية، إذا اتبعتها بحذافيرها يمكنك تحقيق مركز متقدم جدًا في هذا السباق.

لا توجد قواعد لهذا السباق.

أليست الغاية تبرر الوسيلة يا صديقي؟ وغايتنا تستحق منّا الإبداع والابتكار في الوصول إليها، غايتنا هي النجاح في الحياة –الذي لا أعلم ما المقصود به إلى الآن – والتي نكسوها أحيانًا بكسوة جميلة وجذابة ذات معنى مُلهم للبشر من حولنا لتصبح غايتنا هي تعمير الأرض، وهل هناك غاية أسمى من تعمير الأرض وجعلها مكانًا أفضل؟

إذا أردت الفوز فى السباق فلا تقيّد نفسك بأي قواعد، ولا تلزم نفسك بالتبعات الأخلاقية لأفعالك، فطالما أنه لا توجد في النهاية درجات تُمنح على الأخلاق الحسنة، فلا داعي للالتفات إليها.

اجعل دومًا هدفك نُصب عينيك، لا تلتفت للمعوقات، واجعل من أي شيء يقف في طريقك درجة من درجات صعودك على سلم المجد، فالوقوف للحظات يعنى أنك ستكون درجة في سلم المجد الخاص بأحدهم!

رفاق السباق

كما يقولون في الأثر بأنه يجب عليك اختيار الرفيق قبل الطريق، فيجب عليك فعل الشيء ذاته في هذا السباق، ولكن لهؤلاء الرفاق سمات خاصة، عند إهمالها سيجعل ذلك منك عُرضة للخسارة في منتصف الطريق، أو قبل البداية من الأساس، فانتبه!

إذا كنت من المهمتين بالاستماع أو القراءة في مجال التنمية البشرية فلعلك سمعت عن نصائح من خلاصة تجارب الناجحين السابقين مفادها بأنه عليك بمرافقة الناجحين، ومن بصحبتهم تستفيد دومًا، وتعلم أن تقول لا، فالحياة ليست جمعية خيرية تُلبي فيها طلبات الجميع، وبعض من الرفض لن يضر.

صديق طفولتك الذي لم يعد يشاركك الاهتمامات، زوجتك التي ترغب في قضاء بعض الوقت معك، أو أمك التي تريدك إلى جوارها للحديث في أمورها التافهة… كل هؤلاء سيكونون عبئًا عليك في سباق الحياة، تخلص منهم فورًا يا صديقي، وإلّا ستندم.

ما بعد الانتصار

عندما نسير جميعًا وفق هذه النصائح الذهبية، ونفكّر بطريقة التفكير ذاتها سنكون على أتم الاستعداد إلى خوض سباق الحياة الجميل، وننتقل من هدفٍ إلى آخر برشاقة وحيوية، وكلما قلّت من على ظهورنا الأعباء السخيفة والأشياء التي لا نفع من ورائها، كلما اقتربنا من الهزيمة … أقصد الفوز في هذا السباق!

الحياة في إطار هذا السباق حياة ذات بُعد واحد فقط، وكُل اهتمامنا ينصبّ في هذا الاتجاه، حياة مادية خالية من الروح، فارغة من العلاقات الإنسانية المعقدة، خالية من المعنى، الجمال فيها جمال المادة، والنجاح فيها النجاح في المادة، ومن أجل المادة، فليذهب أي شيء آخر إلى الجحيم … جحيم المادة!

حتى محاولتنا في توصيف حياتنا، تارةً نصفها بأنها سباق، وتارةً أخرى نصفها بأنها لعبة، وإذا أردنا إعطاءها وصفًا ذا معنى نقول بأنها رحلة. فصرنا أجسادًا فارغة تسعى لملء ذواتها بالمادة، ولكن كلما امتلأت بها ازدادت فراغًا، لأننا ابتعدنا في كل هذا عن السؤال الأهم، السؤال الذي يبحث عن البعد الآخر من هذه الحياة، البعد الذى لا يمكن لأحد أن ينكره… ما معنى أن تحيا؟ وما معنى الحياة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد