يحدثنا أنطون تشيخوف في رائعته «حول مضار التبغ» مسرحية من أجمل الأعمال التي قرأتها عن العلاقات البشرية «الضارة»، عندما تتحول العلاقة بينك وبين بعض الأشخاص إلى ضرر نفسي فيتحول عندها ضرر الحياة بصفة عامة إلى خطر أكبر بكثير من خطر «التبغ أو التدخين».

يطلق على بعض العلاقات البشرية «الضارة» أو «السامة» في علم النفس، حالة تسمى «علاقة الضحية بالجاني»، يقع في تلك الحالة أو في تلك العلاقة أن يقوم شخص بإيذاء أو الإضرار بأي شخص أخر، ويكون الضرر بأي شكل، سواء الضرب، أو التحكم، أو التسلط، أو أي شكل أخر، فالحالات متعددة.

يمكن أن تكون تلك العلاقة علاقة (أب وابن، زوج وزوجة، خاطف ومخطوف.. إلى آخره). هنا الشخص الآخر الضعيف، المستنفذ في تلك العلاقة، لا يكون قادرًا على منع الأذى فيقرر العقل الباطن هنا اتخاذ قرار لإنقاذ الحالة النفسية من الاكتئاب أو الانتحار.

يكون قرار العقل الباطن هنا غريبًا وهو اختراع مشاعر حب تجاه الشخص المؤذي ويبرر العقل ذلك لنفسه أن الشخص الذي يؤذيني قادر في الوقت نفسه على حمايتي، ويجد الشخص الضعيف في هذه العلاقة مشاعر حب واحترام للشخص الذي يؤذيه سواء كان أب أو زوجة أو مدير… إلخ). 

«حول مضار التبغ»

يعمل تشيخوف ويحول تلك الحالة فنراها في بطل المسرحية «نيوخين». هو شخص فقير ومعدم، يضطر للرضوخ إلي تسلط زوجته لأنها ثرية تمتلك فندقًا ومدرسة.

تجبره زوجته بالعمل في الفندق وكذلك العمل في المدرسة وإعطاء الحصص. يعيش مقهورًا مجبرًا على فعل كل شيء لأنه فقير، حتى أنه لا يمتلك سوى بدلة وحيدة يخرج بها كل يوم لمدة 33 عامًا، حتى اهترئت وعادت لا تصلح.

تجبره زوجته علي إلقاء محاضرة في «مجلس القرية»، محاضرة في ظاهرها «خيرية»، ولكن غرضها كان الإعلان عن نفسها وعن الفندق والمدرسة لجلب المزيد من الزبائن.

المحاضرة عن أضرار التبغ والتدخين، وللعبثية يكون بطلنا مدخنًا، ولكنه مضطر لإقناع الناس بأضرار التدخين لأن زوجته أمرت. لأول مرة في حياته من زواجهم منذ 33 عامًا ينفجر أمام الناس ليحكي عن مأساته وعن حياته المريرة وأنه فقير مجبر للرضوخ لتجبّر وتسلط زوجته عليه، وعليه أن يعمل اليوم بأكمله، وحكى حتى عن تسلط الزوجة على بناته والتحكم في حياتهن.

تمنى أمام الناس أن يتخلص من تلك الحياة وأن يهرب فقط ويذهب ليجلس ويحدق في الفراغ، وأن لا يعبأ للحياة مرة أخرى، ولكن بمجرد وصول زوجته طلب من الناس عدم إخبارها بشيء مما قال، طلب منهم أن يقنعوها أنه حدثهم عن أضرار التدخين، وعند دخولها تحدث بصوت مرتفع في جملتين حول «مضار التبغ» ليقنعها بإنتهاء المحاضرة.

حكاية نيوخين المقتبسة من مسرحية تشيخوف «حول مضار التبغ»:

أرغب لسبب ما في الفرار.. آه لو تعلمون كم أرغب!
(باندفاع) الفرار!
ترك كل شيء والفرار، بلا رجعة.. إلى أين؟ لا يهم إلى أين. المهم الفرار من هذه الحياة الحقيرة، الوضيعة التافهة، التي جعلت مني عجوزًا بائسًا أحمقًا، عجوزًا بائسًا أبلهًا.
الفرار من هذه المقترة الحمقاء التافهة الشريرة، الشريرة، الشريرة، من زوجتي التي عذبتني 33 عامًا والفرار من الموسيقى، من المطبخ، من نقود زوجتي، من كل هذه التوافه والوضاعات، ثم التوقف في مكان بعيد، بعيد، في حقل مكشوف.
الوقوف هناك كشجرة، كعمود، كفزاعة طيور، تحت السماء العريضة والتطلع طوال الليل إلى القمر الساكن المنير في الأعلى.. والنسيان.. النسيان.. آهٍ كم أود ألا أذكر شيئًا.
كم أود أن أنزع عني هذا الفراك الحقير الرث، الذي لبسته في زفافي منذ ثلاثة وثلاثين عامًا (ينزع عنه الفراك).. الذي ألقي فيه المحاضرات دائمًا لأغراض خيرية.
هاك ما تستحق (يدوس الفراك بحذائه).. هاك ما تستحق! أنا عجوز، فقير، بائس، مثل هذه الصدرية، بظهرها المستهلك المهترئ.. (يكشف ظهره) لست بحاجة إلى شيء!
أنا أسمى وأطهر من ذلك، وكنت في زمن ما شابًا، ذكيًا، درست في الجامعة، وكنت أعد نفسي إنسانًا.. الآن لم أعد بحاجة إلى شيء.. لا شيء سوى الراحة!
(ينظر جانبًا ويرتدي الفراك بسرعة).
وها هي زوجتي تقف خلف الكواليس.. وصلت ووقفت تنتظرني هناك (ينظر إلى الساعة).. لقد مر الوقت.. إذا سألتكم فأرجوكم، من فضلكم، أخبروها أن المحاضرة كانت.. وأن الفزاعة، أي أنا، كان سلوكي لائقًا (ينظر جانبًا ويسعل) إنها تتطلع نحوي.. (يرفع صوته).. وانطلاقًا من أن التبغ يحتوي على سم الزعاف، وهو ما ذكرته لتوي، فلا يجوز التدخين بأي حال من الأحوال، وأسمح لنفسي، بصورة ما، أن آمل بأن تعود محاضرتي هذه «عن مضار التبغ» بالنفع. لقد قلت ما عندي. (ينحني ويخرج بعظمة).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد