نغوص جدًا في تفاصيل الحب، تلك المشاعر الراقية التي تنتابنا على حين غرة، ونتعمق كثيرًا في تجارب من سبقنا إلى تلك المركب التي تسمى «مركب العشاق»، كلٌّ منّا يوقن في قرارة نفسه بعد اطلاعه على كل تلك التجارب، أن أي نهاية قصة حب ستكون إما بالفراق والحزن، وتكون القصة ببدايتها مفرحة مذهلة، وإما أنها ستنتهي بالفرح ويجتمع المحبوبان بعضهما مع بعض إلى الأبد، أما أن يحولنا هاجس الحب إلى مجرمين، فتلك الطامة الكبرى!

مع تأملاتنا العميقة في تجارب الحب والسير في مراكب العشاق، سنجد أهم تحويل جذري ينقلنا إليه، إذ يصبح كل منا وبدافع الحب مجرمًا، إما بحق نفسه وإما أهله وإما حبيبه، بل يجرم بحق كل من حوله، فتشوا في جميع قصص الحب وستجدون الإجرام واضحًا في كل تفاصيلها.

فذاك الذي يعشق حدّ الجنون، وإذا بتلك المعشوقة لا تستحق كل هذا الحب المخبأ في صدره، فتجرم الفتاة بحقه وتتركه في وسط المعركة يحارب الجميع من أجلها، ثم بعد أن يكتشف الأمر يجرم بحق نفسه؛ فيعاقبها على كونها أحبت الشخص الخطأ، أو أنه ينتقم من محبوبته القديمة لخذلانها له، أو أنه يستمر في مرحلة المعركة الخاسرة، ويبدأ بالانتقام ممن حرموه محبوبته، في محاولة منه أن يبرر جريمتها الشنيعة بحقه وحق الحب، ويوجِد أعذارًا لقتلها الحب ببرودٍ وعن سابق إصرار وتصميم، أو لربما يحدث العكس، فتكون الضحية هي الفتاة المسكينة التي أعطت كل ما لديها للشخص الخطأ، الذي أجرم بحقها وأكلها لحمًا ثم رماها عضمًا.

وفي بعض الأحيان يكون الأهل هم المجرمون بحق أولادهم، فيجرمون بحقهم ويحرمونهم من أحبابهم باسم الحب!

بحجة حبهم لأولادهم وخوفهم على أولادهم ودفاعهم عن مستقبلهم، يسمح الوالدان لأنفسهما أن يجرما بحق قلبين نمت في صدريهما أرقى المشاعر وأنبل العواطف.

الأمثلة أكثر من أن تعدّ وتحصى، وفي كل مرة تكون الجريمة باسم الحب، وبحجة الحب! على اعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة، تصبح الجريمة مع الحب شرعية ومباركة من المجتمع الذي لا يفقه في الحب شيئًا.

ما دفعني إلى قول هذا الكلام، هو رواية قرأتها في الفترة الأخيرة، تحكي قصة عاشقين أجرم الأهل بحقهما وحال الفراق بينهما، ثم التقيا بعد فترة، بعد أن تزوج كل منهما من شخص آخر، وهنا بدأت الفتاة بالسعي لأن تعيد حقها الضائع في الماضي، وتتواصل مع حبيبها القديم والمتزوج من فتاة غاية في البراءة، وفي سبيل أن تعوض حرمانها وتنتقم ممن حرمها حبيبها، سمحت لنفسها هي الأخرى أن تجرم بحق تلك الفتاة وتحرمها جنينها الذي لم يكتمل نموه في أحشائها الطاهرة؛ فقتلت الجنين باسم الحب الذي تسعى إليه! وحرمت تلك المسكينة من أن يكون لها طفل من صلبها إلى الأبد، فهل الحب يجعلنا نفعل هذا؟! بئس الحب هو إذن !

والسؤال الأبرز: من هو المجرم الحقيقي، الحب نفسه أم الأحباب؟

هل يمكن أن تحولنا أنبل المشاعر التي زرعها الله فينا إلى وحوش نبرر لأنفسنا باسمها كل ما نفعل؟ تجعلنا ننسى إنسانيتنا ورحمة الله بنا وبعباده، ويحولنا إلى مجرمين لا يهمنا سوى أنفسنا؟

أم أن ابتعادنا عن فهم الحب الحقيقي هو من يجعلنا نخرج الوجه الآخر لنا، ونعود إلى ذواتنا الحقيقية الشريرة؟

لماذا نقتل الأحلام ونتسبب في الحرمان وذرف الدموع دمًا على المحبوبين؟

بتنا اليوم نقتل باسم الحب، ونخون زوجاتنا باسم الحب، ونزني باسم الحب، وندمي قلوبًا بريئة باسم الحب. أما أخطر ما نفعل اليوم أننا ندمر بلادًا باسم حبنا لها وحرصنا عليها، نهجر شعبًا من أرضه ونيتم أطفالًا ونرمل نساءً، ونحول أكرم البشر إلى لاجئين مذلولين مشردين في كل بقاع الأرض باسم الحب!

فأي حب هذا الذي نحن فيه؟! وأي حال وصل به الحب بيننا وإلى أي درجة وصل الفهم الخاطئ للحب فحولنا إلى أعتى المجرمين وأشد الحاقدين؟

كل ما في الأمر أننا ظلمنا الحب، وأجرمنا بحقه أولًا؛ فحولناه إلى أداة جريمة شرعية تبرر أفعالنا الشريرة، وتمنحنا الحرية المطلقة والتبريك الكامل من مجتمعنا لنقوم بكل ما نريد؛ فحولنا الحب إلى غاية تبرر أفعالنا الشيطانية التي لا تمت إلى الإنسانية بصلة، ولا تنتمي إلى الحب الحقيقي الذي زرعه الله في قلوبنا لنعمر الأرض وننشر الخير والسلام والمودة فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد