شهد العالم في العقود الماضية سطوع نجم دول كانت تعيش أزمات داخلية خانقة؛ فأصبحت اليوم قوى اقتصادية وازنة، وأقطابًا صناعية تنافس بندية اقتصادات العالم الأول.

قد يختلف سياق النهضة من دولة لأخرى باختلاف إمكاناتها الطبيعية والجغرافية والبشرية، لكن يبقى القاسم المشترك رغبة حقيقية من صناع القرار لقيادة ثورة شاملة متحدين بذلك كل العراقيل رغم حدة تعقيدها.

سنتحدث في هذا المقال عن طموح المملكة المغربية لتحقيق رؤية اقتصادية جريئة، وعن إمكانية الاستفادة من تجارب دول كسنغافورة وتركيا في تجاوز كل التحديات والإكراهات، وبالتالي فك شفرة التقدم.

عرف مغرب السلطان الشاب تغييرًا في سياساته الداخلية والخارجية، ما يعكس رؤية جديدة للمغرب الحديث، الذي يسعى جاهدًا إلى اللحاق بالركب ومقارعة الكبار. إذ تعتبر المملكة اليوم حليفًا استراتيجيًا لمختلف القوى العالمية لانفتاحه على العالم اقتصاديًا، في ظل استقرار سياسي واجتماعي امتاز به البلد عن جيرانه؛ ما عزز ثقة المستثمرين الأجانب. ناهيك عن قوة اقتصاده ومرونته وسلامة نظامه المالي. ويزخر المغرب بموارد طبيعية متنوعة كالحديد والذهب والنحاس… كما يمتلك ما يزيد عن 70% من مجمل احتياطي العالم من الفوسفات، إضافة إلى ثروة سمكية يكتسح بها السوق العالمية.

فما الذي يؤخر المغرب عن تحقيق حلم لطالما راوده؟

سنغافورة.. العملاق الآسيوي

سطرت سنغافورة إحدى أفضل قصص النجاح بعد أن سارت بخطا ثابتة وبعزم وإصرار كبيرين نحو تحقيق نهضة تنقل هذا البلد القزم جغرافيًا إلى عملاق اقتصادي يساهم بشكل وازن في تحريك عجلة الاقتصاد العالمي.

فقد كان بعد تحرره من الاستعمار البريطاني دويلة تفتقر إلى الموارد الطبيعية، ويعاني جل شعبها من الفقر والبطالة وحالة من تفشي الفساد وانعدام الأمن؛ ما دفع الحكومة إلى التفكير بجدية في وضع خطة واضحة المعالم تنتهي بالارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطن.

اعتمدت هذه الخطة على توفير الاستقرار اللازم لخلق مناخ مناسب للأعمال، إضافة إلى تحسين نظام الضرائب والعمل على توفير البنية التحتية الملائمة؛ ما شجع المستثمرين الأجانب على جلب رؤوس الأموال وإطلاق أوراش صناعية عملاقة والعمل على إنعاش قطاع الخدمات. وقد اعتمدت أيضًا على تدريب الموارد البشرية وإكسابها خبرة في مجال التكنولوجيا الحديثة ومجال الطاقة؛ ما ساهم في خفض نسب البطالة والفقر.

ويبقى العامل الأهم حرص حكومة لي كوان على محاربة الفساد المالي والإداري وربط المحاسبة بالمسؤولية؛ فكانت النتيجة مؤسسات تعمل بكل شفافية على الالتزام الدقيق بالمخطط التنموي بعيد المدى.

تركيا وصناعة المجد

يعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم نقطة تحول في تاريخ تركيا المعاصر؛ إذ استطاع الحزب الحاكم بقيادة رجب طيب أردوغان أن يقفز بالبلد إلى مستوى عال من الازدهار الاقتصادي، وأن يحسن المستوى الاجتماعي للطبقة الفقيرة والمتوسطة؛ مما جعله يكتسح بفارق كبير كل الاستحقاقات الانتخابية، وآخرها الانتخابات المبكرة التي نصبت أردوغان أول رئيس في النظام الرئاسي الجديد.

فقبل توليه سدة الحكم، كانت تركيا في قلب عاصفة أزمة اقتصادية خلفت وراءها أضرار كادت تجر البلاد إلى الإفلاس. فقد انهارت الليرة التركية بما يعادل 100% كما وصل التضخم لمستويات قياسية تجاوزت 70% في ظل ارتفاع متزايد للبطالة، بعد أن أفلس العديد من الشركات، على رأسها أكثر من نصف البنوك التركية.

فعزم أردوغان على قلب الموازين من خلال حزمة من الإصلاحات الاقتصادية، والتي تفضي إلى تبني اقتصاد السوق، وإلى إعادة هيكلة النظام المالي. إذ اعتمدت خطته على تشجيع الاستثمار في قطاع الصناعة والخدمات، والاهتمام بقطاع السياحة. كما قاد العديد من الإصلاحات السياسية والقضائية وحرص على ضمان احترام حقوق الإنسان. فكانت لولا تدخل بعض الأطراف الدولة الأوفر حظًا في الانضمام للاتحاد الأوروبي.

تعتلي تركيا اليوم منصة الدول ذات الاقتصادات القوية؛ فقد حققت إنجازات أشادت بها المنظمات الدولية المختلفة، تمثلت أساسًا في بلوغ نسب نمو عالية تحتل بها المراتب الأولى إقليميًا ودوليًا.

يتبين من خلال هذين النموذجين أن ما ينقص المغرب حكومة كفاءات تحركها رغبة جامحة لتحقيق التنمية الشاملة، بعيدًا عن الحسابات السياسية والحزبية. فبموقعه الاستراتيجي، وتنوع مناخه وموارده الطبيعية، وبوفرة الطاقات البشرية الشابة التي تحتاج فقط لمن يوجهها، يستطيع المغرب أن يصنع لنفسه نموذجًا تنمويًا ناجحًا، بل يستطيع – وفي وقت قياسي – أن يصير من بين أقوى الاقتصادات، ولم ليس أقواها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد