كنت أنظر للعلمانية على أنها فكر مرتبط بالحياة اليومية الدنيوية وليس الدينية، ولم أقتنع أنها ضد الدين وتعاليم الدين، كوني أؤمن بالتجارب التطبيقية وليس بالمسائل النظرية، لأن العلوم الفكرية حينما تحمل الخيال تنحرف عن مسارها المنشود، لغاية عودة صديقي من لندن بعد سنوات قضاها هناك.

مررت من أجل أخذه معي لصلاة الجمعة، ليفاجئني قائلًا: «لا أريد سماع هراء الكاهنة يا جمال»!

ظاهريًا أظهرت له حرية كلماته، لكن باطنيًا شعرت وأنها إهانة لا يجب السكوت عنها، رغم أنني كنت مشوش الفكر شارد الذهن إلا أن الله أكرمني بالتركيز في خطبة الجمعة، حينما صحا الإمام خاطبًا في الناس، أيها المؤمنون ابتعدوا عن من لا يحترم الدين ولا يقدره ولا يقدر علماءه وأئمته احذروا من الملحدين الكفرة.

وضعني الإمام بين هجرة صديقي الذي لم أره مند سنين، وبين أن أنصر ديني، كيف لا وصديقي ينعت الأئمة بالكهنة، كبرنا ونحن نراهم قدوة وأطباء الدين، فأكيد لن تكون هناك فترة من حياتنا نتخلى فيها عن تعاليمهم، فقط إن أعلنا تمردنا عليهم بإلحادنا كليًا بالإسلام.

رغم أنني قرأت كتاب وهم الإله لريتشارد دوكن أكثر من 10 مرات، ولم أسجل أفكارًا بل سجلت خرافات، ولا أعلم لماذا يلحد البشر في هذا الكون، ولماذا يصدقون أن الكون جاء صدفة، لم اقتنع بالإلحاد لا فكرًا ولا شكلًا ولا مضمونًا، رغم أني قرأت لملحدين مشهورين في العالم بنية علمية وليس عاطفة دينية.

وهل هناك حجم ما يتكون بدون المكون؟

فهل الطائرة تتكون وحدها؟

وهل انفجرت مطبعة وتفرقت الحروف وصنعت كتابًا ضخمًا صدفة؟

ومع هذا أنا أقدم احترامي الخالص لهؤلاء الملحدين كونهم يطالبون بإقناعهم عن طريق العقل وليس الدين، طلبهم غريب لكنه يبقى من حريتهم الفردية، مع أن قانون العلية يقرب فكرة الخالق لهؤلاء الفيزيائيين، ويكفيهم تصريح دافيد هيوم الذي اعترف بهذا القانون رغم أن تصريحه يحوم حوله مغالطات علمية كثيرة.

لأن الأمر الطبيعي أن نطبق القانون الذي يقول إن العلاقة بين الحدث يسمى السبب والآخر يسمى الأثر، بحيث يكون الحدث الثاني نتيجة للأول، مع أن لكل علة معلول ولكل معلول علة.

وكما يقول الدكتور خالد كبير علال في كتابه نقد العقل الملحد: الإنسان هو صانع السيارة ويستطيع أن يصنعها متى أراد، لكن السيارة المعلولة لا يمكن أن تكون علة بنفسها فتصنع نفسها، ولا أن تصنع إنسانًا فتكون هي علة وجوده، فتبقى تابعة للإنسان الذي صنعها فهو العلة.

ومع هذا الإمام بدأ يقدم رحمة الإسلام قبل تطبيق تعاليم الإسلام، فقال:

أيها المؤمنون إن الإسلام جاء للكون كله رحمة للعالمين، لهذا كونوا من القوم الناصحين لهؤلاء العلمانيين، الذين يعتقدون أن الدين لا يجب أن يسير الحياة اليومية لأنهم في جهل عظيم، يحاولون أن يجعلوا للرذيلة قانونًا.

هنا ارتاح قلبي بعد أن أعطاني الإمام دور الناصح في القضية، بعد أن كنت اقترب من أخذ دور الداعشي فيها.

لما انتهت الصلاة اقترب مني أحد الدكاترة في علم الاجتماع: يا جمال الإمام بدأ يخرف يا صديقي العلمانيين يواكبون العصر والإسلام يعطل فكرهم.

فقلت له: ألم يقل الله سبحانه تعالى في سورة الزمر في الآية التاسعة، «قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون».

فنظر إلي نظرة أوربي خائف من إرهابي متشدد يريد تفجيره: ما هذا الفكر المتعصب يا صديقي حاول أن تهدأ.

– أنا هادئ لأن قرآني الذي أؤمن به يوضح أن الإسلام لا يعرقل العلم الذي تريدونه، اصنعوا من الجزائر نمسا أوروبا أو سويسرا وأؤكد لك أن الإسلام سيقوم بتشجيعكم لا نحركم.

عدت إلى صديقي وبدأت أشرح له أن الإسلام لا يعرقل التطور مثل المسيحية واليهودية كون أن الأديان الأخرى عقيدة روحانية فقط، لكن الإسلام نظام حياة.

فرد وكأنه رأى عجوزًا في التسعين يخرف: «هذا كلام كلاسيكي تعودنا عليه منكم دائمًا».

– لنفترض أنه كلام كلاسيكي قديم يا صديقي، السؤال لماذا تصرون على فصل الدين عن الدولة، وهل المساجد مثل الكنائس حتى تطبقون دلائل قديمة قادمة من عصر الجهل في أوروبا حينما تم فصل الكنيسة عن الملك، لقد نجح باروخ سبينوزا وأمثاله في فرض العلمانية لأن الإنجيل كان محرفًا، حتى ولو لم يكن محرفًا فجرائم الكنسية كانت كفيلة أن ينقلب عليها الناس لأنها كانت في وضعية قوة وسلطة وجبروت.

ألم تسلم الكنيسة الكاثوليكية لقب القديسة، الأم تيريسا لسيدة تدعى أنجيري بوجاكسو عام 2003، فصدقها الناس مع أنها مشروع لتلميع صورة الفاتيكان، وألم تسرق نفس هذه السيدة أموالًا طائلة هي والدكتور جون كلود دوفاليير من الفقراء؟

أخبِرني ألم تتحد الكنيسة نفسها مع المتشددين والإرهاب لوقف قرارات الأمم المتحدة ليغادر الحياة بسبب هذا الأمر أكثر من 257 شخصًا؟

حسنا ألم يبارك رئيس الأساقفة الكاثوليك ألويسيوس ستيبانيك، الدكتاتور أنتي بافيليك، الذي قتل أكثر من 800 ألف شخص من الصرب، وقد أعد له وليمة وأطلق عليه يد الرب.

يا صديقي إن اختلاط الأديان بالسياسة أنتج جرائم لا تغتفر، وهذا ليس مبررًا أن نطبقه على الإسلام في القرن الحديث، كون أن أئمته لا يتدخلون في شؤون الحكومة، فهم مجرد موظفين تابعين لوزارة الشؤون الدينية حتى أنهم شكلوا نقابة للدفاع عن حقوقهم.

هل أبدأ لك في إحصاء جرائم حاخامات اليهودية ضد البشرية، أو بالأحرى ضد المسيحيين فقط، بعد أن أصدروا تعاليم في التلمود الجديد لهم، قتل المسيحي من الأمور الواجب تنفيذها، اقتل الصالح من غير اليهود، قتل النصارى من الأفعال التي يكافئ الله عليها.

ولن أخيفك بالرقم الذي وصلوا إليه بجرائمهم المتكررة ضد الإنسانية، بغض النظر عن الجرائم الذي ارتكبتها الدولة العثمانية، فإن كل روح سقطت في الإسلام كانت بسبب السياسة، وليس بسبب إقناع الناس بتعاليم محرفة، وهل تنكر يا صديقي أن القرآن لم تستطع لا الإمبراطورية الرومانية ولا مملكة الفرس ولا المغول ولا المستعمرات البريطانية أو الفرنسية أن يقوموا بتحريفه أو القضاء عليه، ما زالت الإحصائيات تؤكد أن الإسلام ينتشر في أوروبا وأمريكا وكل مناطق العالم.

– فلماذا أصبحت علمانيًّا يا صديقي؟

رد على سؤالي بكل ثقة وكأنه متأكد أن العلمانية هي حقيقة الكون الحالية: يا صديقي هل يحاسبنا الله بشكل فردي أم جماعي؟

قلت: البداية تكون فردية سرية وبعدها تصبح علنية جهرية والله أعلم.

فقال: يا صديقي أنا حر في كلامي وقناعتي وأنا المسؤول عن أفعالي أمام الله، فمن واجبك يا صديقي أن تدعو للناس بالهداية لا أن تفرض عليهم الهداية، لأنها إرشاد إلهي يمنحه الرب ولم تكن سببًا فيه مهما صنعت!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد