حتى تحكم على طبيعة الزمن الذي تعيش فيه انظر إلى التصرفات التي يعتبرها الناس عملًا استثنائيًا وخارقًا للعادة! حينما ينظر الناس إلى السلوك الإنساني الفطري على أنه معجزة، وحينما يضعون ردة الفعل الطبيعية تجاه موقف ما في خانة «صدق أو لا تصدق»، وحينما يمارسون التضخيم والتهويل ويهللون ويصفقون لفعل يفترض أنه سلوك عادي – لمن يمتلك الحد الأدنى من الأخلاق السوية – فاعلم أننا نعيش في زمن انقلبت فيه الآيات واختلت فيه الموازين وساد فيه القبح حتى أمسى الخير غريبًا يندهش الناس عندما يصادفونه!

عندما يجد سائق سيارة أجرة حقيبة في سيارته ويعيدها إلى صاحبها يتحدث الكل عن شهامة السائق وأمانته وتضج وسائل التواصل والمواقع الإخبارية بالحديث عن هذا العمل الخارق!
يساعد شرطي مرور رجلًا مسنًا في قطع الشارع أو يساعد سيدة تعطلت سيارتها في الطريق العام فيتحدث الكل عن بطولته وتنتشر الصور والمقالات ومنشورات الثناء والإعجاب حول هذا العمل!
يساعد الناس أحد المشاة بعد تعرضه لحادث سير ويهرعون لإنقاذه فتتحدث وسائل الأعلام عن النخوة والمروءة التي عند هؤلاء الناس وكأنها أمر غير مألوف!

لا أدري أين الاستثناء والبطولة في المواقف السابقة؟ هل من المفترض أن يقوم السائق بالاستيلاء على الحقيبة التي وجدها في سيارته دون أن يجتهد ولو قليلًا في البحث عن صاحبها؟ وهل صياغة هذا الخبر بهذه الطريقة مقصود للإيحاء بأن سائقي سيارة الأجرة عبارة عن لصوص إلا من رحم ربي؟

وهل الوضع الطبيعي أن يترك الشرطي هذا المسن يمر أمامه وهو متكئ على عكازته دون أن يساعده أو يساعد السيدة التي تعطلت سيارتها مع العلم أن مساعدة الناس وتنظيم المرور من صلب عمله ووظيفته؟

وهل يفترض بالناس أن يروا شخصًا مصابًا دون أن يساعدوه؟ وكأن الأصل في الناس اللامبالاة وفقدان الإحساس والنخوة؟

ما أعرفه عن البطولة أنه فعل استثنائي قد يصل لدرجة خرق العادة وقوانين الطبيعة فهل كل ما ذكر أعلاه خارق للعادة ويستحق كل هذه الضجة الإعلامية وكل هذا المدح والثناء والتضخيم وهذه الطريقة في صياغة وتناول الخبر؟

التفسير الوحيد لتضخيم هذا الأعمال ووصفها بالبطولة والحديث عنها وكأنها فتح مبين هو أننا ربما قد نكون وصلنا لمرحلة صعبة من الفساد المجتمعي الذي يجعلنا نرى فيما يفترض أنها ردات فعل طبيعية وعادية وأبجديات في السلوك الإنساني السوي الفطري وكأنها أعمال بطولية خارقة لدرجة التعامل معها على أنها تصرف استثنائي وظاهرة فلكية نادرة الحدوث يتم تسليط الضوء عليها وتمجيدها بشكل يوحي بأننا لم نعد ننتظر أي خير أو معروف من الناس، أو ربما يظن البعض أننا نعيش في غابة، وأن أي عمل إنساني طبيعي هو حدث غير متوقع وتصرف شاذ وكأنه إحدى علامات يوم القيامة!

هل بالفعل وصلنا بالفعل لزمن غربة الأخلاق؟ ما نراه اليوم أن الاستثناء صار قاعدة والقاعدة صارت استثناءً، وأن الأمور انقلبت رأسًا على عقب في معظم شؤون الحياة. النخوة كأنما صارت خردة قديمة لا يعبأ به أحد، والمروءة صارت فعلًا أسطوريًا لا يوجد إلا في روايات الخيال العلمي، وها هي الأمانة وكأنها صارت موضة قديمة بعد أن أصبحت الخيانة والخداع العملات الأكثر تداولًا في هذا الزمن! وكأن الناس صاروا ينظرون إليها كما هاتف المنزل في زمن الهاتف النقّال!

ربما صار كل واحد منا بحاجة إلى أن يعود إلى الجذور الأساسية التي تنبت منها شجرة الأخلاق ليعيد زراعتها من جديد وحتى تظل هذه الشجرة دائمة الخضرة وارفة الظلال بعد أن تعرت وذبلت حتى أوشكت على الفناء.

إعادة زراعة المفاهيم هو ما نحتاجه الآن لأنها لم تعد مسلمات كما كنا نظن، بل صارت استثناءات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s