(1)

يضحك الفاروق عمر عندما تذكر ما كان منه قبل إسلامه. وذلك عندما كان جائعًا فأكل صنمه المصنوع من العجوة، والذي كان يتخذه إلهًا، والحقيقة هنا ليست مجرد شخص جائع أكل شيئًا ذا قيمة بالنسبة له، أو رمزًا كان يلجأ إليه كلما كان في ضيق، الحقيقة أنَّه بأكل عمر إلهه الذي كان يعبده قد وضع عالمه الثقافي الجاهلي في خطر، لأنَّه أنزله من منزلة القدسية، وأصبح استبداله بعالم ثقافي جديد أسهل، وأيسر. وتلك كانت أهم لحظة في إسلام عمر.

«بعضنا يخاف أن يفكر، لأنَّه إذا فكر فقد يتبدل كل كيانه الفكري ويستوحش من كل تاريخ التخلف الذي عاشه». محمد حسين فضل الله

(2)

ظل النبي -صلى الله عليه وسلم- يطوف بالكعبة وحولها ثلاثمائة وستون صنمًا طيلة عشرين عامًا «من 10 أغسطس 610م، وهو تاريخ البعثة حتى 10 يناير630م، وهو تاريخ فتح مكة» دون أن يهدمها، وكان يستطيع فعل ذلك سرًّا كما فعل نبي الله إبراهيم، فلماذا رفض ذلك؟!

للإنسان ثلاثة عوالم يتفاعل معها:

«عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الأفكار». مالك بن نبي

(3)

يولد الطفل والعوالم الثلاث لا تعني له شيئًا، يبدأ يتعرف إلى عالم الأشياء بداية بثدي أمه الذي يرضع منه، وإصبعه الذي يضعه في فمه، وأظافره التي قد يجرح بها خده دون معرفة السبب، وفمه المفتوح الذي يضع داخله أي شيء، ويتبع ذلك إدراكه للعالم الثاني وهو عالم الأشخاص بوجه أمه الذي يمثل له مصدر الغذاء، والأمان، ووجه والده وإخوانه، ويزداد معرفته بعالم الأشخاص عندما يرى لأول مرة وجهًا جديدًا بالنسبة له، فتبدو على وجهه ملامح الذعر والخوف والرهبة، وأخيرًا يتعرف إلى عالم الأفكار عند أول مشكلة تقابله في حياته، سواء من لعبته التي لا يستطيع تشغيلها، أو الباب الذي لا يستطيع فتحه، أو الكوب الساخن الذي يضع يده عليه ويسبب له ألمًا دون معرفة السبب.

(4)

كانت الأصنام لمشركي مكة مثل الألعاب وثدي الأم بالنسبة للطفل الرضيع، هي أغلى وأهم شيء، فعالم الأفكار بالنسبة لهم غير موجود كما هو لطفلٍ لم ينشأ ويتكون بعد، لذلك رفض النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يهدم الأصنام التي تمثل كل كيانهم دون وجود فكرة تملأ الفراغ داخلهم، وهي التي جعلت أكثر من أسلم يتعجب ويتساءل أين كان عقله عندما كان يسجد لصنم من حجر، مثلما يمل الطفل من ألعابه التي كان يلعب بها في صغره، ويطالب بشيء جديد يناسب عمره.

«إنَّي أفضل المشي في الشارع وأنا أفكر في الله على الجلوس في المسجد وأنا أفكر في حذائي». علي شريعتي

(5)

إذا أحضرت زجاجة مياه غازية وقسمتها نصفين متساويين، نصفًا في كوبٍ عادي، والنصف الآخر في الزجاجة كما هو، سيتصارع طفلاك على من يأخذ النصف الموجود في زجاجة المياه الغازية، بالرغم من تساوي الكميتان إلَّا أنهما ليست لديهما أدنى فكرة عن ذلك. كذلك ظلت الثورة الفرنسية قرابة الثمانية عقود في مرحلة التيه، عندما لم يكن لديها الأفكار التي تمثل مرجعيتها، وتثور بها على عالم الأشياء التي من أجلها قامت الثورة، ولم تفطن كذلك أنَّ نابليون بونابرت، والذي جاء مُخلِّصًا لهم هو نفسه لويس السادس عشر الذي ثاروا عليه لكن بوجه مختلف.

«متى تعلق الإنسان بإنسانٍ آخر فهو لا يرى منه إلّا حسناته وخيره». ليو تولستوي

(6)

سأل الفيلسوف الراحل مالك بن نبي إحدى الطالبات في المدرسة:

– ماذا يعطونكن؟

– يعطوننا بسكويتًا.

كل تفكير الطالبة منصب حول الأشياء بالرغم من كونه لم يقصد ذلك.

لذا،

عندما تعطي لطفلك مالًا وتطلب منه إعطاء بعضه لفقيرٍ فأنت تنمي عنده فكرة مساعدة المحتاج على حساب تفكيره في نفسه فقط، وعندما تشتري له لعبة من ماله الخاص، فأنت تنمي عنده فكرة وقيمة المسؤولية على حساب العبث وعدم الاهتمام، وعندما تقرأ أمامه أو تقرأ معه فأنت تسمو بفكره وتخلصه من تبعية الأشياء والأشخاص، وعندما ترفض مساعدته في حل مشكلة يستطيع حلها بنفسه، فأنت تخلصه من الاعتماد عليك وعلى والدته.

وكانت تلك خلاصة مالك بن نبي عندما قال:

«هناك تشابك بين العوالم الثلاث، والمجتمع المتخلف ليس موسومًا بنقص في الوسائل المادية وإنَّما بالافتقار للأفكار».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد