بعد فترة من الهدوء النسبي على الساحة العراقية، بعد فترة من التوتر مطلع العام الجاري بين أحفاد كسرى والعم سام، عادت الأجواء لتتكهرب من جديد بشكل غير متوقع وذلك بعدما اغتال مسلحون مجهولون المحلل السياسي العراقي ومستشار رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي مساء السادس من يوليو الجاري على أيدي مسلحين لدى خروجه من منزله بحي زيونة بالعاصمة العراقية بغداد.

وعقب إعلان مقتل الهاشمي، استنكرت رئاسة الوزراء العراقية ومجلس القضاء الأعلي في البلاد مقتل الرجل وأدان رئيس البلاد برهم صالح ما أسماه العمل الإجرامي ومصدرًا قراره بتشكيل لجنة تحقيق للوصول إلى مرتكبي عملية الاغتيال في حين أدان الاتحاد الأوروبي وشقيقته الكبرى الولايات المتحدة الاغتيال مرسلين عزاءهما لحكومة بغداد، لكن أمريكا كعادتها استغلت الأمر لصالحها.

فقد أعلن الناطق باسم الخارجية الأمريكية أن إيران من خلال فصائلها المسلحة المنتشرة في العراق المنكوب تقف وراء اغتيال الهاشمي، وهو ما يتفق فيه كثيرون مع الجهة المسئولة عن دبلوماسية سيدة العالم الخارجية خاصة مع رفض الهاشمي غير مرة لاستفحال خطر الفصائل غير النظامية في بلاده، بل وذهابه أبعد من ذلك بالمشاركة في مظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) 2019 ضد فساد الطبقة الحاكمة بعد 2003.

ولمن لا يعرف الراحل الهاشمي، فقد ولد الرجل في التاسع من مايو (أيار) 1973 ببغداد ودرس في الجامعة المستنصرية وحصل منها على بكالوريوس الإدارة والاقتصاد عام 1994، وكذا إجازة في الحديث الشريف وتحقيق المخطوطات واهتم بتاريخ الجماعات الإسلامية منذ عام 1997، وكما أي صوت حر يرفع عقيرته في وجه الطغيان زج بالهاشمي في السجن خلال حكم صدام حسين وخرج من السجن عام 2002.

عقب غزو العراق ربيع 2003 انصرف الهاشمي للعمل في الصحافة وفضح ممارسات قوات الاحتلال الأمريكية للعرب والعالم الغربي ونجح في التواصل مع القنوات العربية والأجنبية وكذا الصحافة الغربية وعندما بدأت الجماعات المسلحة في العراق تنتشر انتشار النار في هشيم العراق الممزق والمدمر شرح الهاشمي للصحافيين المنصفين حقيقة كل جماعة من تلك الجماعات وآلية عملها وحتى في أحلك فترات العراق خلال الاقتتال الطائفي بين 2006 و2007 ظل الهاشمي يمثل صوت العقل، وعلى مسافة واحدة من الجميع؛ ما أكسبه ثقة حكام العراق الجدد.

وبسبب تفوقه في عمله تنقل الهاشمي بين عدد من المناصب الرفيعة، فتولى منصب المستشار الأمني لنقابة الصحافيين ومرصد حقوق الإنسان العراقيين، وكذلك عضوًا في فريق مستشاري مكافحة الإرهاب التابع لرئيس الحكومة العراقية، ومحاضرًا لمكافحة الإرهاب بالأكاديميات الأمنية، وباحثًا زائرًا في مركز النهرين للدراسات الإستراتيجية ومستشارًا لرئيس الوزراء السابق حيدر العبادي لكن ما كان سببًا في ذيوع صيت الهاشمي هو ظهوره المتكرر على الفضائيات العربية خاصة مع بزوغ نجم «تنظيم الدولة الإسلامية» في العراق والشام.

تمكن الهاشمي من الكشف عن قيادات داعش في بلاده وفي جارتها سوريا، وقدم معلومات وافية عن خطط التنظيم وأسلوب عمله كما ألف كتابي «عالم داعش» و«داعش من الداخل» ما جعل التنظيم يحكم على الهاشمي بالردة ويتهمه بالعمالة، ورغم مكانة الهاشمي الرفيعة كان هناك من يتربص به.

لم تكن الفصائل المسلحة العراقية «الشيعية تحديدًا» ودًا للهاشمي، فالرجل لم يدخر جهدًا على جهده لكشف جرائمها واتهمها على الدوام بتقويض جهود الدولة لفرض الاستقرار وألمح لخدمتها الأهداف الإيرانية الخبيثة خلال كتاباته المتعددة التي فضح خلالها ممارسات هذه الفصائل، سواء بعد الاحتلال، أو عقب سيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» على مساحات واسعة من العراق عام 2014، وقبيل أسابيع من وفاته أخبر الهاشمي مقربين منه بخشيته من تصفيته على يد إحدي الفصائل الشيعية التي تحركها طهران.

وبعد الإعلان عن اغتياله، نشر غيث التميمي زعيم تيار «مواطنين»، المقيم في لندن تغريدة، قال فيها: إن الهاشمي أخبره أنه تلقى رسالة تهديد من فصيل حزب الله العراقي قبل أيام من مقتله، وبالتالي لا يتوقع أحد أن ينصف التحقيق الحكومي العراقي هشام الهاشمي فالملالي سيطيلون التحقيق حتى يمل الناس، وسيحفظ في الأدراج، لكن الهاشمي وإن رحل بجسده فهو باق بكتاباته وأفكاره في ضمير كل شريف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

وطنية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد