نشأ طفلا عاديًّا، اشتكى أبواه تأخره الدارسي وعدم اندماجه في الدراسة وتواضع مستواه بالمقارنة بزملائه، بل إنه هرب من المدرسه مرات عديدة وامتنع عن التعليم، حاول معه أبواه محاولات عديدة حتى أنهم أدخلوه مصحة نفسية لعلاج تأخره الدراسي. كان أبواه يحلمان أن يصبح محاميًا وكان هو يريد أن يصبح كاتبًا، وبين الشد والجذب تحطم حلمه وفشل في تحقيق حلم أبويه.

انطلق للترحال والسفر هائمًا على وجهه في محاولة لاستعادة نفسه، فشلت محاولات عديده حاول أن يكتب، كتب وأخفق، ونشر ولم يقرأ له أحد، إلى أن كتب تلك الرائعة التي أطلق عليها الخميائي أو السميائي والتي صارت معجزة الرواية الحديثة. 

كتب باولو كويلوعن سانتيجو الفتى المغامر المتمرد والذي حلم أبواه أن يصبح قسيسًا لقريتهم الصغيرة، ولكنه أحب الترحال والسفر فاشترى قطيعًا من الأغنام وارتحل معهم من قرية إلى قرية ومن بلد إلى آخر، حتى رأى حلمًا دفعه إلى أن يبحث عن كنز مجهول في مكان بعيد عنه.

يبيع سانتيجوا قطيع أغنامه ويندفع لتحقيق حلمه، والذي واجه صعوبات وعوائق تبعده عنه وتلهمه قدرًا كبيرًا من اليأس والاستسلام ولكن تقع أحداث وعلامات من أناس يقابلهم فيساعدونه على أن يمضي نحو هدفه وحلمه البعيد.

وعلى النقيض يتعرض سانتيجو إلى إغراءات كثيره فيخسر كل أمواله ويمضي حزينًا، ولكن سرعان ما يعمل ويستعيد المال، بل ضعفه أو أكثر بكثير، ويفكر الفتى أيرجع ويقضى بقية عمره في قريته الصغيره ويتزوج من إحدى بناتها الجميلات أم يرحل ليبحث عن كنزه وحلمه وحبه؟

ويصل إلى واحة الفيوم وهناك يربح الكثير من المال ويقابل فاطمة التي يحبها وتعاوده هواجسه من جديد، أيتوقف هنا ويتزوج فاطمة ويعمل مستشارًا لرئيس القبائل الذي أحبه وقربه منه؟

وفي الفيوم أيضًا يقابل الخميائي الذي يعلمه أسرار الكمياء ويعلمه أن يستمر في السعي وراء حلمه وخلف كنزه، وماذا عن فاطمة أيرحل ويترك حبه خلفه هنا تلهمه الفتاة الصحراويه الجميلة المزيد من الحماسة والهمة ليحقق حلمه وأسطورته، وأنها ستنتظره حتى يعود.

هل كتب باولو كويلو عن سانتيجو أم كتب عن نفسه؟ هل كتب عن أسطورة سانتيجو وحلمه أم صاغ قصة حياته ومعاناته مع من حوله وسعيه وراء كنزه وأسطورته لقد  كانت الخميائي هي أسطورة كويلو وكانت كنزه وشهرته وإنجازه وحياته ونجاحه وكان سانتيجوا هو ذلك الفتى الذي عاش داخله وواجه خذلان كل من حوله.

نعم لقد آمن باولو كويلو بنفسه وسعى حقًا وراء أسطورته وحلمه وكنزه وأدركه في الخميائي: الرواية والبطل والأحداث بين السطور وعبر الصفحات والاقتباسات والكلمات.

وإن كانت صفحات الخميائي هي المرايا العملاقة المتناظرة التي أظهرت كل ما أخفى قلب وعقل باولو كويلو من مخاوف وهواجس وأحلام وحماسة وشجاعة وإقدام. فإن الخميائي أيضًا هي مرايا الروح لكل صاحب حلم كافح وأخفق وقام وتعثر مرات عديدة وخسر كل شيء ثم استعاد نفسه وقلبه وعقله وانطلق نحو حلمه.

الخميائي هي إلهام كل اليائسين والمتعثرين والمحطمين على عتبات أحلامهم وعلى أبواب كنزهم. الخميائى الرواية هي قراءة عميقة في نفوس كل منا، هي حلم لم يتحقق وعمل لم يكتمل، وأسطورة ذاتية تحلق في سماء أعمارنا توشك أن تتجسد أو تتلاشى في طيات العمر وبين صفحات الأيام.

الخميائي الكلمات هي حديث قلب كل مغامر، كل غريب عن وطنه يبحث عن حلمه وعن أمله وعن إنجازه، الخميائى هو أنا وأنت هو زويل ومصطفى السيد وباولو كويلو.

الخميائي هي الشفرة المصدرية التي تعيد تصحيح برمجاتنا الأولية والتي غالبًا ما تكون برمجة خاطئة وقاصره تحتاج إلى تغيير وتطوير وتعديل. إن الاعتماد علي برمجاتنا الأولى سيحرمنا من الارتقاء الفكري والإنساني والمعرفي.

ما احوجنا الى ان نستفيد مما نقراه في هدم ثوابتنا المعرفية الخاطئة وبناء ثوابت معرفية جديدة وهذا هو المعنى العميق للنمو المعرفي والفكري.

ما أحوج اليائسين السوداويين والمتشائمين والملحدين أن يبحثوا في سطور هذه الرواية المبدعة عما خفي من إلهام وأمل ونور وتفاؤل وخير وإيمان، أن يتلمسوا رحمة الله ولطفه الخفي في جوانب أرواحهم المظلمة.

وإن كان سانتيجوا قد حقق حلمه وصنع أسطورته ووجد كنزه فماذا عنا نحن؟

اللهم ارزقنا حلمًا يتجسد عملًا ويحقق إنجازًا، ويكون لنا كنزًا ترضى به عنا، ونلقاك به فتغفر لنا وتمن علينا برضوانك وفضلك.

اقتباسات ملهمة من رائعة الخميائي:

        إذا وَعَدْتَ بشيء لا تمتلكه بعد, فإنك ستفقد الرغبة في الحصول عليه. 

        في إحدى لحظات وجودنا نفقد السيطرة على حياتنا التي ستجد نفسها محكومة بالظروف حولنا وهنا تكمن خديعة العالم الكبرى.

        عندما تريد شيئًا ما, فإن الكون بأسره يتضافر ليوفر لك تحقيق رغباتك.

        الأسطورة الشخصية: هي كل ما نتمنى فعله دائمًا في الشباب وكلما كبرنا في العمر تتلاشى ويبدأ الخوف واستحالة تحقيق الحلم.

        لقد قرر ترك كل شيء لتحقيق أسطورته الشخصية والعمل بالمقولة أنه عليك أن تسعى باستمرار لاتخاذ قرارك بنفسك، لا تتراجع عن أحلامك.

        القرارات لا تمثل إلا البداية، فعندما يتخذ أي إنسان قرارًا فإنه ينجرف في الحقيقة ضمن تيار عنيف يحمله نحو مصير لم يكن قد استشفه مطلقًا. 

        كلما اقتربنا من تحقيق أحلامنا، أصبحت الاسطورة الشخصية دافعًا حقيقيًّا للحياة.

        إن خوفنا يتلاشى عندما نفهم أن صيرورتنا وصيرورة العالم قد خطتها يد واحدة.

        إن العيون تظهر قوة الروح.

        في الحقيقة إن الحياة كريمة مع من يعيش أسطورته الشخصيّة.

        الجنون هو العجز عن التعبير عن أفكارك.

        كّرر أحلامك وقاتل من أجلها. يجب أن تعرف ما الذي تريده من هذه الحياة.

        هناك شيء واحد يجعل من أحلامك مستحيلة: الخوف من الفشل.

        كن شجاعًا وتحدّى المخاطر. لا يستطيع أي شيء أن يعوّضك عن التجربة. 

        تتضافر جهود الكون كلّها لمساعدتك على تحقيق الشيء الذي ترغب به.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(1 عرض التعليقات)

تحميل المزيد