قبل تعلمنا النطق، أو كيفية العبث بالحروف، انجذبنا للعبث بالألوان قبل كل ذلك، بأن نعبر عن أفكارنا الطفولية ببعض الأشياء التي نحاول أن نعلن عن وجودها بداخلنا خلال رسمها على الأوراق، والحوائط، وكل ما تستطيع أيدينا أن تصل إليه.

الشيء الذي لا نستطيع التعبير عنه بالكلام، يمكننا التعبير عنه بالكتابة، وإن أخفقنا يمكننا الاستعانة بالموسيقى، وإن أخفقنا يمكننا اللجوء للرسم، وهو الشيء الذي تجتمع حوله مختلف الأعين، باختلاف مدى اتساعها، باختلاف ألوانها، باختلاف حدة النظر لديها، كل ما يمكن أن تجتمع عليه تلك النظرات المختلفة، لوحة واحدة بروح فنان حقيقية.

في واحدة من التجارب السينمائية الفريدة في فيلم «Loving Vincent» التي تناولت جزءًا من حياة الفنان فان جوخ، لم تكن تلك التجربة محاولة لإحياء ذكرى فنان عبقري مثله لم يجتمع حوله العالم سوى بعد وفاته، لكنها كانت أشبه بإعادة إحياء لكيان كامل باستحضار روحه عبر فنه ولوحاته، إذ قام الفيلم بأكمله على لوحات مرسومة يدويًّا بألوان زيتية، واجتمع أكثر من 115 فنانًا لرسم 65 ألف لوحة كلها تحمل الأسلوب الفني لفان جوخ، ومقتبسة من معظم لوحاته.

فيلم «Loving Vincent» هو الفيلم الأول من نوعه الذي يقوم على لوحات زيتية، وكأنك لا تشاهد فيلمًا سينمائيًّا فقط، بل أنت في معرض فني يستعرض حياة فان جوخ الدرامية ويظهر مدى معاناته مع المرض النفسي ومع قسوة البشر حوله، يملأك الفيلم بالمتعة البصرية، ولذة الدراما التي تخلق بداخلنا الإحساس بكل شيء نراه، ويعلمك جيدًا أنه لم يخلق فنان دون أن تكون المعاناة توأمه الملتصق من ولادته حتى وفاته.

الفيلم من إنتاج 2017، وهو من إخراج وتأليف دوروتا كوبيلا، وهيو ويلشمان، تدور أحداث الفيلم بعد وفاة فان جوخ بعام، وأنه قد ترك لساعي البريد رسالة ليرسلها لأخيه ثيو الذي كانت تجمعهم علاقة أخوية شديدة المحبة – لدرجة أن ثيو مات بعد وفاة فينيست فان جوخ بستة أشهر – إذ كتب فان جوخ لثيو حوالي 700 رسالة طوال حياته مرفقة بالكثير من رسوماته، ليسافر ابن ساعي البريد للبحث عن ثيو ليعطيه رسالة أخيه الأخيرة، وخلال رحلته يبدأ بالتقرب إلى الأشخاص الذين حاوطوا فان جوخ قبل وفاته، ومن منهم عامله بلطف، ومن منهم كانوا الأسوأ معه، وتبدأ رحلته في محاولة كشف هل مات فان جوخ منتحرًا أم مقتولًا؟

لا يتركك الفيلم في النهاية بإجابة محددة، فقط يترك الحكم لك ولخيالك.

يُفتتح الفيلم برسمة «Starry Night»، التي رسمها فان جوخ خلال المدة التي قضاها في المصحة النفسية، وكانت تلك اللوحة مبنية على ذاكرة فان جوخ عن ليل مدينة سان ريمي دو بروفنس، واعتمد فيها على خياله بشكل كبير، ثم يُكمل معك الفيلم بروائع اللوحات المستوحاة من ريشة ذلك العظيم، وكأنه يروي لك عنه بالطريقة التي كان يرى بها عالمه.

أنتج فان جوخ 800 لوحة لم يبع منها سوى واحدة خلال حياته، ولم يشعر به العالم، سوى بعد وفاته عندما لم يجد أجمل من رؤية فان جوخ لتصويره باللون الأصفر المبهج، وبضوء النجوم التي رغم احتراقها تستمتع بأنها متوهجة.

ينتهي الفيلم بأغنية «Starry Starry Night» بصوت المغنية الإنجليزية ليان لا هافاس، ليأخذ فان جوخ كل عاطفة الحب والامتنان خلالها وتنتهي وهي تقول:

Now I think I know

What you tried to say to me

And how you suffered for your sanity

And how you tried to set them free

They would not listen, they’re not listening still

Perhaps they never will.

سلام عليك عزيزي فينسنت، محبتي لك ولكل السلام الذي عملت على تشكيله خلال ذلك العالم الأجمل في لوحاتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد