ثمة حقيقة لا زال كثيرون في غفلة منها وهي أن التردي الأخلاقي ليس مرضًا شخصيًا، أو علة فردية، وإنما هو وباء إذا كان في مكان استشرى حدوثه واستصعب علاجه، وأنه من نوع الخطيئة التي تعم ولا تخص، حتى لا يقول قائل أنه في معزل من الخطأ وأن يد الخطر لن تطوله فليفتح لنفسه إذًا كل سبيل يكتب ما يشاء ويتحدث بما أراد دون رادع من دين أو خلق!

أما آن أن نعلم أن من يزرع بذرة يكن هو أول آكل منها، وأن من يحفر بئرا يكن أهله أول وارديها! أما آن أن نعلم أن كل محتوى أذعناه وأن كل كلمة نطقناها إنما يعود أثرها على أنفسنا! وإن عصمنا أنفسنا لم نعصم زوجنا وولدنا!

يوشك أن يأتي على الإنسان حين من الدهر لا يجد فيه فتاة يشاركها في بيت أو امرأة يزاملها في عمل! وأخشى أن تكون أجيال قادمة ناشئة في بيئة خالصة من الإباحية حتى يُخيل إليها أنها هي الأصل في الإنسان وأن الأخلاق بدعة من بدع الزمان!

راقبوا الصفحات العامة في مواقع التواصل الاجتماعية أو اسمعوا الألفاظ في الشوارع والطرقات، أو افتحوا قناة من القنوات، أينما وليتم وجوهكم رأيتم ترديا، وأينما وجهتم أسماعكم سمعتم نشازا، إن كان قد بقيت في أنفسكم فطرة سليمة لازلت حتى تتبين العمى من الهدى!

التماس الأعذار دوما ما يكون من الإنصاف وليس من الضعف أو التهاون في شيء! فإن كنت أعيب على الإباحية شيوعها فإني لا أجرؤ حتى ولو مقدار ذرة أن أنتقد انحدار المستوى الثقافي العام وسيطرة الأمور التافهات فلا ينبغي لنا مطالبة الشباب مثلا بالانشغال بالحياة السياسية بينما قضى أقرانهم نحبهم في شوارع وميادين الوطن مدافعين عن مستقبلهم السياسي ولا ينبغي لنا دعوتهم إلى الخوض في شؤون الدين والتعبد مخافة أن يستيقظ أحدهم وقد بات اسمه على قوائم الإرهاب ولا يجدر بنا أن نحثهم على أمور الشعر والأدب في
بلد لا مستقبل فيه لهذه الترهات، اللهم إلا إن كان فيها دعوة إلى إلحاد ديني أو غريزة جنسية. إن الأجيال الحالية حقا لهي في منتصف ظلم مبين.

الأديان برمتها ليست على وفاق مع الإباحية، ولربما كانت الأديان هي الفاصل الذي حجز بيننا وبين هذا التدني على مدى قرون طويلة وإلا لانهارت البشرية منذ زمن، ولكن ما علينا الانتباه إليه هو أن الإباحية حين تصبح الشريعة الحاكمة فإنها تقضي أول ما تقضي على الدين، ولا يبقى لشرائع الدين مكان من بعد. فإن كنتم لا تنهضون من أجل الإبقاء على مكرمة الإنسان فانهضوا إذا من أجل الإبقاء على كرامة الأديان! ولن يتكلف الملاحظ كثيرًا حتى يتبين أن الشذوذ الجنسي الذي تفشى مؤخرًا يسير جنبًا إلى جنب مع موجة الإلحاد! وأن المجمعات الحاضنة للشذوذ هي نفسها مهد الإلحاد!

العالم أصبح اليوم ضيقا كما لم يكن من قبل في أي يوم لدرجة أن أي فكرة في أي بقعة في العالم يمكنها أن تصل إلى فرد في أبعد نقطة، وتلك الافكار منها الصالح الذي يجدر تبنيه وغيرها فاسد يتكاتف الجميع في مناهضته، ولكني لست ممن يرون الإسراف في المنع والحجب على الجملة، ولكن لي مذهب آخر وهو أن يكون الإقدام عن دراية وأن يكون الإحجام على علم، لأن ذلك هو الضمان الوحيد الذي يمكن أن يكون عاصمًا من الوقوع ضحيه أفكار فاسدة، فإن كان الرقيب الذي في السماء لا ينام فهب أن رقيب الأرض غفل ساعه من نهار! حينها لا يعصم الإنسان سوى ما تربى عليه ولا ينجيه من لجة الضلال إلا ما كان مؤمنًا بصحته في قرارة نفسه أو مقتنعًا بخطئه في داخل سريرته لا ما كان واجبًا مفروضًا أو أمرًا جبريًا.

إن معاقبة طفل صغير من خلال عزله في غرفة بعيدة على أمل أن يستذكر دروسه جيدًا بعيدًا عن الملهيات هو أقل الحلول نجاعة وأبخسها جدوى، لأنه ببساطه يمكنه أن يحيل التراب طينا يعبث به أو أن يجعل من الجدار المصمت لوحة يرسم فيها صورًا، ذلك لأن مخيلة الإنسان ذات قدرة عبقرية على الابتكار والتصوير، فإن
تمنعه من صورة إباحية فانه يرسم بخياله ما يفوقها في الإثم أضعافا، وإن تضع حوله مائة سور فإنه يبني لهم في مخيلته ألف باب! ما دام أنه ليس ثمة رغبة نابعة من داخله أو إرادة مستقلة في نفسه، حصنوا أبناءكم
بالعلم وازرعوا في أنفسهم بذرة الإيمان ثم كونوا لهم نعم القدوة والمثل، فإن فتى مؤذن الجامع لا يتربى إلا فوق قمم المآذن!

إن كان العالم الآن يصطلي بنار الفتن والإباحية، وإن كان العالم ضيقًا لدرجة أنه لا مهرب من التعرض لها! فإن ذلك يتطلب منا جهودًا إضافية ومضنية في تجديد طرائق التربية، تربية مبتكرة بناءة تقوم على أساس علمي من التجديد. المسؤولية على عاتق كل فرد، طالما أن لكل منا لسان يتكلم أو يد تكتب يتحتم علينا أولا ألا نقع في شرك الإباحية، نمسك ألسنتنا من الذلل ونعصم أيدينا من الخلل، أعلم أنه من العسير أن يسير الجميع في اتجاه ما ثم تكون أانت الفرد الوحيد الذي يغرد لا على هوى مجتمعه بل على هوى خلقه وضميره!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد