الشبكات التحتية Under Network من صور شبكات الاتصال المجتمعي، وهي نشوء شبكات تواصل مجتمعية جانبية في الظل، قد تأخذ الشكل السري أو المغلق، نتيجة اشتراك أعضائها في أفكار تخالف السائد، وعدم سماح المجتمع لهم بالتعبير والعمل الحر العلني.
وهي ظاهرة سلبية قد تنتج إما لسوء نية أصحاب الأفكار المخالفة تجاه مجتمعهم،أو لانخفاض فضاء الحريات في المجتمع، واستخدام القمع والإجبار ومحاولة صبغ الجميع بلون فكري واحد، ومقاومة التنوع والتعدد. وقد تحدث أيضًانتيجةقلة الخبرة وعدم تقدير أهمية الوضوح والانفتاح في المجتمعات.

وقد عالج القرآن الكريم هذه الظاهرة في صورها المختلفة في سورة المجادلة، فتعطي السورة ظاهرة “التواصل التحتي الجانبي” اسم “المناجاة”سواء تم بين المنافقين، أو من أعداء المجتمع المتخللين له، أو من الأبناء الطبيعيين الصالحين للمجتمع في صورة المؤمنين.
وما يهمنا في هذه المقالة هو صورة المناجاة أو التواصل التحتي مع توافر النيةالصالحة وبهدف الإصلاح، وهو الصورة الغالبة على فكرة إنشاء جماعات العمل السياسي الإسلامي مثل الإخوان المسلمين ومن يحذو حذوهم.

 

فرغم إقرار القرآن أن المؤمنين قد يقعون في العمل السري التحتي، فينبههم إلى أنه ممارسة محفوفة بالخطر من حيث الأصل،وخسائرها أكبر من منافعها، ولا ينبغي أن يلجأ إليها المسلمون إلا في الضرورات المستحكمة، وأن يكون هذا اللجوء على قدر الضرورة، وأن يكون السعي دائمًا للفرار منها طالما سنحت الفرصة.

 

“إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا، وليس بضارهم شيئًا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون”، هكذا يصف القرآن السرية والجانبية والعملالمتخفي في شأن يخص كل المجتمع، هل هناك وصف أبشع من وصف عمل بأنه من الشيطان؟

 

أما إذا نظرنا في رأي “سيد قطب” في تفسير هذه الآيات فسنجده واضحًا أشد الوضوح في رؤية خطورة وجود جماعات التواصل التحتي على أي مجتمع، حتى وإن كان هذا التناجي بالخير ويهدف للصالح، وخاصة في أوقات الاضطراب والنزاع،فهذه النوايا الطيبة لا يعلمها إلا الله، أما باقي المجتمع فلا يبدو له سوى ظاهر يقول إن هناك ما يريب، فيقول قطب في تفسير الآيات:

 

“يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وتناجوا بالبر والتقوى، واتقوا الله الذي إليه تحشرون. إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئًا إلا بإذن الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون…”.

 

ويبدو أن بعض المسلمين ممن لم تنطبع نفوسهم بعد بحاسة التنظيم الإسلامي، كانوا يتجمعون عندما تحزب الأمور، ليتناجوا فيما بينهم ويتشاوروا بعيدًا عن قيادتهم. الأمر الذي لا تقره طبيعة الجماعة الإسلامية، وروح التنظيم الإسلامي، التي تقتضي عرض كل رأي وكل فكرة وكل اقتراح على القيادة ابتداء، وعدم التجمعات الجانبية في الجماعة. كما يبدو أن بعض هذه التجمعات كان يدور فيها ما قد يؤدي إلى البلبلة، وما يؤذي الجماعة المسلمة ولو لم يكن قصد الإيذاء قائمًا في نفوس المتناجين، ولكن مجرد إثارتهم للمسائل الجارية وإبداء الآراء فيها على غير علم، قد يؤدي إلى الإيذاء، وإلى عدم الطاعة.

 

وهنا يناديهم الله بصفتهم التي تربطهم به، وتجعل للنداء وقعه وتأثيره: “يا أيها الذين آمنوا” لينهاهم عن التناجي إذا تناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول. ويبين لهم ما يليق بهم من الموضوعات التي يتناجى بها المؤمنون: “وتناجوا بالبر والتقوى“، لتدبير وسائلهما وتحقيق مدلولهما. والبر: الخير عامة. والتقوى: اليقظة والرقابة لله سبحانه، وهي لا توحي إلا بالخير. ويذكرهم بمخافة الله الذي يحشرون إليه، فيحاسبهم بما كسبوا. وهو شاهده ومحصيه. مهما ستروه وأخفوه.
….
ثم ينفرهم من التناجي والمسارّة والتدسس بالقول في خفية عن الجماعة المسلمة، التي هم منها، ومصلحتهم مصلحتها، وينبغي ألا يشعروا بالانفصال عنها في شأن من الشئون. فيقول لهم: إن رؤية المسلمين للوسوسة والهمس والانعزال بالحديث تبث في قلوبهم الحزن والتوجس، وتخلق جوًّا من عدم الثقة؛ وأن الشيطان يغري المتناجين ليحزنوا نفوس إخوانهم ويدخلوا إليها الوساوس والهموم. ويطمئن المؤمنين بأن الشيطان لن يبلغ فيهم ما يريد:

“إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا، وليس بضارهم شيئًا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون…”.
فالمؤمنون لا يتوكلون إلا على الله. فليس وراء ذلك توكل، وليس من دون الله من يتوكل عليه المؤمنون!

وقد وردت الأحاديث النبوية الكريمة بالنهي عن التناجي في الحالات التي توقع الريبة وتزعزع الثقة وتبعث التوجس:
جاء في الصحيحين من حديث الأعمش بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه”.

 

وهو أدب رفيع، كما أنه تحفظ حكيم لإبعاد كل الريب والشكوك. فأما حيث تكون هناك مصلحة في كتمان سر، أو ستر عورة، في شأن عام أو خاص، فلا مانع من التشاور في سر وتكتم.

وهذا يكون عادة بين القادة المسئولين عن الجماعة. ولا يجوز أن يكون تجمعًا جانبيًّا بعيدًا عن علم الجماعة. فهذا هو الذي نهى عنه القرآن ونهى عنه الرسول. وهذا هو الذي يفتت الجماعة أو يوقع في صفوفها الشك وفقدان الثقة. وهذا هو الذي يدبره الشيطان ليحزن الذين آمنوا.

ووعد الله قاطع في أن الشيطان لن يبلغ بهذه الوسيلة ما يريد في الجماعة المؤمنة، لأن الله حارسها وكالئها؛ وهو شاهد حاضر في كل مناجاة، وعالم بما يدور فيها من كيد ودس وتآمر. ولن يضر الشيطان المؤمنين “إلا بإذن الله”، وهو استثناء تحفظي لتقرير طلاقة المشيئة في كل موطن من مواطن الوعد والجزم، لتبقى المشيئة حرة وراء الوعد والجزم”انتهىالنقل من تفسير الظلال.

 

وملخص رأي “سيد قطب” كما نفهمه هو:

أن العمل في صورة التخفي خارج مظلة المجتمع وقواعده وإشرافه الواضح قد يجوز عند الضرورة بشرط أن يتصف بالبر والتقوى.

 

مجرد أخذ الجانب والتواصل الخفي بعيدًا عن المجموع هو إيذاء نفسي للمجتمع، ومصدر للحزن والتوجس، وفتح لباب سوء الظن وعدم الثقة،ولذا سمى القرآن هذا التصرف بأنه من الشيطان، ويجب أن يتجنبه المؤمن الحريص على وحدة مجتمعه وسلامته طالما كان هناك وسيلة أخرى.

 

استسلامفريق من المجتمع لفكرة أنه منفصل وله خصوصية في شأن عام يخص كل المجتمع أمر مرفوض إسلاميًّا.

 

إطلاع قادة المجتمع الذي يشترطه “سيد قطب” هو تفعيل مبدأ العلانية والوضوح، واتباع المسارات المتفق عليها مجتمعيًّا، فإن لم تكن هناك قيادةواحدة تمثل المجتمع، فالرجوع يكون للأصل وهو المجتمع وآلياته المتاحة.

 

إذا اختلط الأمر على المسلمين في مجتمعهم، وتسببت المناجاة التي بدأت بنية طيبة في شيوع الريبة والنزاع، والتوجس وعدم الثقة، فما يراه “سيد قطب” هو التخلي عنها”وعلى الله فليتوكل المؤمنون”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد