بزغ هلال رمضان ليلة الأحد في الجزائر من ولاية الوادي أدنى الشرق إلى ولاية تلمسان أقصى الغرب في ليلة احتفى الجزائريون بها كثيرًا، ليس لأن هلال رمضان قد حضر، ولكن لأن هلال بوتفليقة قد غاب لأول مرة. فعلى مر السنون كان هلال رمضان في البلاد متغيرا يحضر تارة ويغيب أخرى، أما هلال الرئيس فقد كان الثابت الذي لا يغيره الزمن ولا تحجبه الغيوم، ولا تخطئ فيه الحسابات الفلكية أو السياسية أو الدينية أبدًا. ذلك الثابت الذي صمد كثيرًا إلى أن قرر الشعب أن يحيده بعد أن أصبح هلالًا خافتًا لا يضيء، بل يسمح فوق هذا للزبانية أن ينهبوا ويفسدوا في ليل الجزائر الحالك الذي قد طال.

بعد أكثر من خمسة قرون من الحكم، إذ إن هناك نسبة معتبرة من الشعب التي يبلغ سنها 20 سنة لم تعرف غير بوتفليقة رئيسًا واحدًا أوحد للبلاد، خرج الشعب في مظاهرات حاشدة منذ 22 فبراير (شباط)، وعقب كل جمعة، استمر الأمر ست جمعات ليمسي الجزائريون يوم 2 أبريل (نيسان) على خبر استقالة للرئيس المريض، استقالة كانت بطعم الإقالة أو الخلع بعد أن سبقها خطاب شديد اللهجة من قيادة الأركان في الجيش. لتطوى صفحة مثيرة الرئيس الأطول حكما في تاريخ البلاد ويصبح بوتفليقة أخيرًا جزءًا من الماضي.

رمضان في الجزائر هذه المرة ليس كغيره، ليس لأن هلال رئيسهم قد ذهب بلا رجعة فقط، بل لأن الشعب ما زال يصر على عملية كنس بقايا آثاره العالقة حتى الآن رافعًا شعار (يتنحاو قاع) – أي سيذهبون جميعًا – ومتخذًا له هدفًا رئيسًا لن يجعله يعود إلى المنزل إلا بعد تحقيقه. مسلسل الحراك الجزائري الآن في حلقته الثانية عشرة، ويبدو أنه سيطول، فالشعب الممثل الرئيس للمسلسل لا زال لم يقتنع بالجيش الذي يقوم بكتابة السيناريو، ورغم أننا لم نشهد تصادمًا بين الاثنين، إلا أن الهوة تتسع مع كل يوم في ظل تمسك المؤسسة العسكرية بالحل الدستوري الذي ينص على إجراء انتخابات رئاسية تحت إشراف الجهاز التنفيذي الذي عينه بوتفليقة أو العصابة الحاكمة باسمه، وهذا ما يرفضه الشعب رفضًا قاطعًا كون أن هذا الجهاز يعتبر مولودًا أخيرًا جاء نتيجة تمخض عسير للسلطة الحاكمة قبل سقوط واجهتها السياسية المتمثلة في شخص بوتفليقة.

بين هذا وذاك يحاول الفريق أحمد قايد صالح، الرجل الأقوى في البلاد حاليًا، امتصاص الغضب الشعبي وتحقيق بعض المطالب المتمثلة في إخضاع بعض رجالات المال والسياسة للعدالة. ومثلما يمكن أن نفسر الأمر بكونه يدخل في الإنحياز السطحي للقيادة العسكرية التي تحاول تطبيق ما يقول عنه قايد صالح بأنه (خطة مدروسة) بتدرج وتريث، يمكن أيضًا أن ينظر إليه كمحاولة لخلط أوراق الأولويات الشعبية للحراك، ليبقى تبيان الحقيقة مرهونًا للأيام القادمة حتى لا يقع في حكم النوايا.

رمضان هذا العام مميز أيضًا، فهو الأول الذي سيقضيه يسعد ربراب، أغنى أغنياء أفريقيا ومالك شركة «سيفيتال»، في السجن، وهكذا سيكون سكر وزيت ربراب حرين طليقين في موائد إفطار الجزائريين، أما هو فسيفطر مسجونًا هناك في سجن الحراش بالعاصمة. كما أنه الأول الذي سيرى فيه الجزائريون عائلة كونيناف صاحبة الإمبراطورية المالية، التي كانت أقرب إلى نظام بوتفليقة من حبل الوريد، وراء القضبان بعد أن سبقهم علي حداد رئيس منتدى رجال الأعمال الجزائري، الذي تم إيقافه على الحدود التونسية هاربًا بجواز سفر بريطاني.

الأمر طال كذلك ما كان يسمى بالدولة العميقة حيث إن الشعب في الجزائر لم يصدق أن الجنرال محمد مدين رئيس المخابرات السابق لمدة 20 عامًا والملقب بـ(رب الجزائر) سيحاكم الآن بتهمة الخيانة العظمى مع رؤوس الفساد الإثنين السعيد بوتفليقة أخ ومستشار الرئيس المستقيل والذي يتفق الجميع على أنه كان الحاكم الفعلي للبلاد، واللواء بشير طرطاق رئيس هيئة التنسيق الأمني السابق. ليقضي الجزائريون شهرهم الفضيل وهم متأكدون من أن آلهة الجزائر الثلاثة قد أفطرت في سجنها!

هذه التطورات تشيد بها الجماهير، لكنها تؤمن أنها ليست كل المطالب، وأن جر المسؤولين إلى العدالة لا يعني بالضرورة تحقيق العدل ومحاسبتهم الحساب المستحق وما حدث في مصر مع الرئيس حسني مبارك وحاشيته خير دليل على ذلك، فالرجل مذ أن كان يواجه الإعدام أصبح الآن حرًا كأن شيئا لم يكن. والجزائريون مدركون أن أي غفلة منهم أو رجوع يمكن أن يجعل تلك المكاسب تذهب مع الريح، خصوصًا أن تلك الجماهير موقنة أن عدالة الجزائر لا تزال (عدالة الهاتف) مع تغيير بسيط في الخط من رقم الرئاسة سابقًا إلى رقم قيادة الجيش حاليًا.

في الطب، يشدد الأطباء على اكمال الجرعات كاملة غير منقوصة حتى لو شعر المريض بتحسن، لكي يتمكن الدواء من القضاء الكلي على العلة، وإلا فإن الأعراض الارتدادية ستعود وتعصف بالمريض الذي ظن أنه قد شفي فقط بسبب اختفاء أعراض مرضه الظاهرية. هذا ما يدركه الشعب في الجزائر، وما يسعى لتطبيقه أيضًا، فالنقاش في الجزائر، خلال الشهر الفضيل، يتحدث عن التصعيد أكثر من خلال المسيرات الليلية بعد الإفطار أو صلاة التراويح، كما أن الوسط الطلابي عازم على مواصلة مقاطعة الجامعات والتظاهر كل يوم الثلاثاء، وتيرة النقاشات السياسية في تزايد، الأحزاب ترفض الحوار مع السلطة المؤقتة بقيادة عبد القادر بن صالح، القضاة عازمون على مقاطعة الانتخابات المزمعة تنظيمها في 4 يوليو (تموز) والشعب يرفض الرجوع إلى الوراء مثلما يرفض الاصطدام مع جيش يؤمن أنه أتى من صلبه.

سيصوم الجزائريون عن الأكل والشرب، لكنهم لن يصوموا عن التظاهرات والمسيرات ولن يتوقفوا عن استنشاق هواء الحرية والعدالة الذي تهب نسائمه على البلاد منذ شهرين ونصف، ومثلما سيكون هذا الشهر مليئًا بالرحمة والتضامن بين الجزائريين سيكون مليئًا بالتمرد والعصيان ضد نظامهم الفاسد، سيكمل الجزائريون كتابة سيناريو مسلسل حراكهم وإخرجه بإبداع وتفان وسيحرصون على نهاية سعيدة له.. نهاية تعبد للبطل أن يخرج منتصرًا دومًا، ذلك البطل الواحد.. ألا وهو الشعب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد