فاجأنا الرئيس التونسي السببسى بتصريحات عجيبة حول ضرورة مساواة المرأة بالرجل في الميراث وإباحة زواج المسلمة من غير المسلم، وذلك في تحد صريح لثوابت الدين الإسلامي الذي ينص الدستور التونسي في مادته الأولى على أنه دين الدولة، ولفهم أعمق لتلك التصريحات الهزلية، لابد من رؤية أوسع للواقع التونسي في الآونة الأخيرة، فعقب انتخابات رئاسية تدخل فيها المال السياسي الخارجي بقوة والإعلام العلماني باستماتة ومؤسسات الدولة العميقة بكل نفوذها نجح المرشح العلماني الطاعن في السن الباجى قائد السبسى في حسم انتخابات الرئاسة ودانت تونس لمحركيه.

ولأن الرئيس التونسي ما هو إلا ظل لسادته، لا يمتلك أي مشروع إصلاحي فلقد فشل في إدارة الدولة وبدأ الفساد ينتشر أكثر وأكثر والبطالة تضرب بقوة في أعماق المجتمع التونسي وبدا جليًا أن الاقتصاد التونسي يمضي إلى الهاوية، خاصة بعد أن تجاوزت ديون تونس الحدود الآمنة وباتت الحكومة التونسية عاجزة عن سداد فوائد القروض؛ فأعلنت تونس إفلاسها وعدم قدرتها على سداد رواتب موظفيها. وأضحى جليًا أن الرئيس التونسي يحتاج لأية ورقة يستر بها سوءة فشله الذريع، فلابد من طوق لإنقاذ الرئيس التونسي وحزيه وداعميه، وإلا فإن الشعب التونسي ربما لا يصبر حتى موعد الانتخابات القادمة للإطاحة بالسبسي ومن معه، وبدأ يبرز سؤال آخر محوري، ترى كيف يمكن للرئيس التونسي إرضاء الغرب ليحظى بأقصى دعم سياسي واقتصادي ممكن، مع الحفاظ على دعم وتأييد النخبة العلمانية المهيمنة على الاقتصاد والإعلام التونسي؟

وهنا برزت الصفقة، تنازل عن تلك الثوابت والمعتقدات التي تؤرق مضاجع الغرب وذيولهم في الداخل التونسي مقابل دعم اقتصادي وسياسي وإعلامي يضمن للرئيس التونسى وحزبه الحفاظ على سدة الحكم التي يلهثون وراءها.

لكن بأي ثابت من الثوابت نبدأ؟

إنه الإسلام وتعاليمه فيما يخص المرأة فلابد أن تكون السلعة غالية حتى يكون المقابل جزيل، وما أغلى من التنازل عن حكم قطعي الثبوت والدلالة ورد في القرآن بشكل لا يقبل النقاش ولا الجدال متعلق بقضية شائكة مثل قضية المرأة؟!

فكانت تلك التصريحات الصادمة التي قربها السبسى إلى الغرب وذيوله زلفى ليحظى بالمقابل، ذلك المقابل الذي يتمثل في شقين حصل على أحدهما ومازال ينتظر الآخر، الشق الأول تأجيل المطالبة بالديون وفوائدها، وزيادة تدفق بعض المنح والمساعدات والقروض للحكومة التونسية الفاشلة، أما الشق الثاني فهو دعم سياسي وإعلامي، خاصة فى الاستحقاقات الانتخابية التي تلوح في الأفق، لكن المشكلة الفعلية تكمن في أن ما قدمه الرئيس التونسي من تنازلات ليس إلا بداية فالغرب وذيوله الآن يمتلكون تلك السكين القادرة على ذبح المستقبل السياسي للسبسى وحزبه، وهم سيحسنون استغلال تلك السكين لانتزاع أقصى مكاسب ممكنة، ولإجبار الشعب التونسي على القبول بالتخلي عن هويته الثقافية وثوابت دينه التي بذل الغالي والنفيس للحفاظ عليها، وهنا لابد من طرح ذلك السؤال المنطقي، إذًا ما هو الحل؟ ما البديل؟

تمثل حركة النهضة التونسية – بكل عوارها ومسالبها – أقل البدائل فسادًا، فعلى الرغم من الميوعة الشديدة والترخص العجيب الذي تتعامل به حركة النهضة مع قضية الشريعة، إلا أنها تظل أكثر البدائل الإصلاحية جاهزية حتى الآن، فللأسف الشديد خلال فترة حكم الرئيس التونسي السابق زين العابدين تم تجريف المجتمع التونسي من أصحاب المنهج الإصلاحي القويم المبنى على مرجعية القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، فأضحى المجتمع التونسي الآن بين مطرقة العلمانيين وسندان الإخوان، لذا فلابد للقلة القليلة من إسلاميي تونس أصحاب المنهج الإصلاحي القويم من التكتل والتآزر والتحرك لتكوين نواة كيان جامع يتبنى الإصلاح التدريجي الحقيقي كخيار إستراتيجي، ويتجهز بقوة لمرحلة ما بعد السبسي وما بعد النهضة، حتى لا يصبح الشعب التونسي ومعتقداته سلعة بأيدي النخاسين في سوق الرقيق تبذل لمن يدفع أكثر، وإلى الله المشتكى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تونس
عرض التعليقات
تحميل المزيد