"محاولة لتعريف الدين"

إذا أراد شخصٌ مرة أن يجمع تعريفاتٍ للدين، فلا أشك لحظة بأنه سوف يضيع في متاهاتها كما ضاع المؤرخ فيليب الذي هو من شخصيات ديورانت الحوارية، حين ذكر لنا بعض مما جمعه وبيّن بأن شلاير ماخر سماه: الإحساس بالتواصل مع المطلق، بينما يسميه هافلوك إليس: إحساسًا مباشرًا بالاتحاد مع العالم، في حين يُعّرفه إفرت دين مارتن: بالتقدير الرمزي لسر الوجود في عبارات تدل على مصلحة الإنسان كذات، ويصفه شبنجلر بأنه: الميتافيزيقا التي نعيشها ونجربها – أي ما لا يمكن أن نفكر فيه كيقين، والأعلى من الطبيعة كواقع، والحياة كوجود في عالم ليس واقعًا، ولكنه صادق.

وإذا سألنا الفيلسوف الألماني عمانويل كانط عن مدلول كلمة الدين لقال لنا: بأنه معرفة الواجبات كلها باعتبارها أوامر إلهية. فقد عرّف كانط الدين من الوجهة الأخلاقية حين جاءت فرضياته بخصوص الدين الطبيعي منحسرة في متطلباته الأخلاقية والمنغلق داخل حدود مجرد العقل، ولا يعني هذا أنه دعا إلى دين مستقل له سمات الأديان الفاعلة في التاريخ، وإنما هو مجرد استنباط نظري أراد به كانط فقط أن يُبيّن أن العقل الخالص له مبادئه ومعاييره الخاصة.

يتلخص الفهم الأساسي والأولي للدين عند فويرباخ في أن الإنثوبولوجي هو سر (حقيقة) الثيولوجي، فالدين له مضمون خاص في ذاته، فمعرفة الله هي معرفة الإنسان بذاته، هي المعرفة التي لم تعد ذاتها بعد، فالدين هو الوعي الأول وغير المباشر للإنسان، أي الوسيلة التي يتخذها الإنسان في البحث عن نفسه، يحول الإنسان جوهره في البداية إلى نقطة خارجة عنه قبل أن يعثر على هذا الجوهر داخل ذاته، ومن ثم فإن كل صفات الجوهر الإلهي هي صفات جوهر الإنسان في أقصى درجات كمالها، إن الروح الإلهية ندركها أو نعتقد فيها هي نفسها الروح المدركة.

كما أن هناك تعاريف سوسيولوجية للدين مثل ما ذكره إميل دوركايم بأن الدين: مؤسسة اجتماعية قوامها التفريق بين المقدس وغير المقدس، ولها جانبان أحدهما روحي مؤلف من العقائد والمشاعر الوجدانية، والآخر مادي مؤلف من الطقوس والعادات.

في حين عرّف الدين (موسوعة علم الاجتماع) لـجوردون مارشال بالقول: الدين مجموعة من المعتقدات والرموز والممارسات (كالشعائر مثلًا ) التي تنهض على فكرة المقدس، والتي توحد بين المؤمنين بهذه المعتقدات في مجتمع ديني اجتماعي. والمقدس تقابل العلماني أو الدنيوي، لأن الأولى تتضمن مشاعر الخشية والرهبة، فعلماء الاجتماع يُعرّفون الدين بالإشارة إلى المقدس وليس على أساس الإيمان بإله أو آلهة، لآن ذلك يجعل المقارنة ممكنة من الناحية الاجتماعية، فهناك بعض المذاهب من العقيدة البوذية مثلًا لا تتضمن الإيمان بإله.

   هل يمكن قبول تعريف الدين من خلال ما استعرضناه آنفًا، فالتعريفات السابقة تتفق جميعها على أن الدين لابد لها أن تحتوي على وجود قوة؟ خارجية تفوق قوة الإنسان، بحيث يخضع لها من خلال تقديم العبادات والطقوس لها، أو وجود شيء ( مقدس ) يخاف منه الإنسان ويحترمه ويضحي من أجلها، كما تبيّين أن المصطلحات المستخدمة في التعريفات السابقة هي مصطلحات فضفاضة إلى حد كبير وتفتقر إلى التحديد المتخصص، ولعل هذا هو السبب الذي جعل عالم الأنثروبولوجي الأمريكي سبيرو يقول مجادلًا : ما لم يتم تعريف الدين على نحو واقعي أو وجودي – أي أن يكون له قاعدة صلبة في الواقع المادي - فإنه سيكون من المستحيل تعيين حدوده  .

برأيي أن ثمة وجهة نظر أكثر شمولية ودقةً وحتى أكثر مرونة من التعريفات السابقة تنفي أن يكون لمصطلح الدين معنى واحد صحيح، فمثلًا : عندما ناقش الفيلسوف النمساوي اللغوي لودفيك فتغنشتاين مصطلح (اللعبة) بيّن بأنه لكي نُعّرف هذه الكلمة بشكل دقيق لابد أن نبحث عن قرابةً وشبهًا وقائمة من هذه الأشياء، ولا نبحث فقط عن القاسم المشترك بينها؛ لأن منها مخصص للمتعة ومنها للربح ومنها للتنافس ومنها يتطلب مهارة ما أو حرفية ما، ورغم هذه الاختلافات فإن بعض أنواع اللعب تتطابق في الصفات والخصائص مع أنواع أخرى والتي بدورها تتطابق مع أنواع لعب أخرى أيضًا، وهذا يعني أن كل مجموعات اللعب المتشعبة مرتبطة معًا التي يمكن تشبيهها بالتماثلات والاختلافات داخل العائلة الواحدة وهذا ما يسميه فتغنشتاين بـ(التشابه العائلي)، وقد لاحظ أن العمليات التي نسميها ألعابًا مثل ( الشطرنج والورق والكرة والمباريات الرياضية… إلخ)، القاسم المشترك بين هذه الألعاب جميعها هي أنها (مُسلية) أو أن فيها دائمًا (رابح وخاسر)، ففي لعبة كرة القدم مثلًا يمكن أن تربح أو تخسر، إلا أنها تفقد سمة التسلية فيها؛ لكونها تُقام من أجل الرابح والخاسر، بينما عندما يرمي الطفل بالكرة على الحائط ويلتقطها فإنها تفقد سمة (الربح والخسارة) لكونه يلعب من أجل التسلية، وبناءً على ذلك لابد أن نبحث عن ما هو مشترك بين جميع هذه الألعاب لكي نستطيع أن نُعّرف هذه الكلمة.

قياسًا على ما ذكره فتغنشتاين في تعريف كلمة (اللعبة) لابد من أن نبحث عن ما هو مشترك في جميع الأديان كي نستخرج منها تعريف شامل للدين، كون أن الظواهر الدينية المتعددة مرتبطة فيما بينها بشبكة من التشابه والتعارض يصح تسميتها بما يُطلق بـ(التشابه العائلي)، ومن هذا التشابه يمكن فهم الدين كشبكة من التشابهات التي تتطابق وتتقاطع بنحو يماثل التشابهات بين أبناء العائلة الطبيعية الواحدة، من ناحية لون العينين وقسمات الوجه والطباع والبنية الجسدية والمزاج وغير ذلك، فلا توجد خصائص يجب أن يحوزها كل عضو في العائلة، ولكن هناك خصائص موزعة على الأفراد بدرجات متقاربة يتم من خلالها تمييز هذه العائلة عن تلك.

وبهذا المعنى ذهب الفيلسوف الإنجليزي جون هيك إلى تعريف الدين، وكان وجهة نظره في ذلك أنه لا يعُد الدين عبارة عن خواص جوهرية أو وظائف محورية لا يستقيم معنى الدين إلاّ بها، بل يصبح عبارة عن شبكة معقدة من التشابهات والاختلافات كتلك التي تظهر في العائلة والتي يصح بمجموعها أن نسميها دينًا؛ إذ ربما لا توجد خصائص موحّدة لشيء يسمى (دين)، بل عائلة من المتشابهات، ففي كثير من الأديان توجد عبادة الإله أو الآلهة، ولكن في الديانة البوذية مثلًا لا يوجد مثل هذا الأمر، وأحيانًا يتصف الدين بأنه: ما يفعله الإنسان في عزلته كما في (النيرفانا)، وأحيانًا أخرى يُعبّر الدين عن انسجام داخلي للفرد، على الرغم من أن أرنولد توينبي أنكر أن يكون البوذية من قبيل الدين واعتبرها فلسفة، إلا أن رودولف أوتو ذهب إلى أن البوذية القديمة كانت تقوم على التجربة الصوفية، وبالتالي فإن من الواجب اعتبارها ديانة لا مجرد فلسفة. ومن أجل ذلك كان لابد من وجود نقطة ارتكاز وعصب جامع للاختلافات والتشابهات داخل العائلة الواحدة، ولهذا يعتقد هيك اقتراح الفيلسوف الأمريكي الوجودي بول تيليش في اعتبار الدين يتمحور حول الاهتمام بالأعلى، الذي يرى فيه هيك موجهًا في توصيف الموضوعات والممارسات والمعتقدات بأنها دينية، فالدين أي دين دنيويًا كان أم علمانيًا يهتم بحقيقة قصوى وعُليا يسعى لتحصيلها أو الاتصال بها والتكييف وفقها، وهو ما يُعرف بالنظام الخلاصي.

وبناءً على ذلك ينطلق هيك من تعريف الدين بأنه : عبارة عن عائلة متشابهات تتمحور جميعها حول الاهتمام بالأعلى . وعلى وفق هذا التعريف لا يعود الدين مقتصرًا على الأديان التي تؤمن بالغيب أو بالحقيقة الإلهية والماورائية، بل تشمل بعض التيارات العلمانية أو الإلحادية التي تتسم ببنية خلاصية، فالماركسية مثلًا تحمل مثالًا أعلى يتمثل في المجتمع اللاطبقي ولها عقيدة خاصة في حركة التاريخ، ولها نصوص مقدسة كنصوص الأنبياء والقديسين، ولذلك يمكننا اعتبار إيمان الماركسية العلماني، من أسرة قريبة للأديان الغيبية كالمسيحية والإسلام.

ويؤكد هيك بأنه على الرغم من الاختلافات الواسعة بين عائلة الأديان إلاّ انه يوجد خاصية مشتركة بينها تشبه نسب القرابة المشترك بين جميع أفراد العائلة الواحدة وهي الاهتمام بما يسمى بـ(الخلاص أو التحرر) وهي خاصية كانت غائبة من وجهة نظر هيك في الأديان البدائية، ثم تبلورت خلال العصور اللاحقة. لذا يرى هيك أن جميع الأديان تتحدث بطرق متنوعة، عن حصول خطأ أو تشويه أو تحريف أو تلويث أو سقوط في وجودنا الإنساني الراهن، وتؤكد على ضرورة التحرر من هذا السقوط وتحقيق وضعية وجود إنسان أعلى، من خلال الإيمان والاستجابة للنعمة المقدسة أو من خلال وهب النفس كليًا للإله أو من خلال انضباط ونضوج روحي يؤدي إلى الحرية والتنوير.

   لعل هذا التعريف الذي قدّمه هيك أقرب إلى حقيقة الدين من التعريفات السابقة التي ارتكزت على القاسم المشترك لجميع الأديان، لذلك نرتئي الأخذ بهذا التعريف ونبني عليه فرضيتنا في فلسفة الدين، فكل دين سوى كان قديمًا أو حديثًا من وجهة نظرنا لابد أن تؤكد على أربعة حقائق :
1-  أن أي دين لابد أن يقدم تفسيرًا لعالم الوجود وموضع الإنسان فيه وهي بمثابة (العقيدة الدينية)، كما فعلته جميع الأديان التوحيدية تقريبًا، وغير التوحيدية، بل حتى الماركسية.
2-  أن يحتوي على منهجية خاصة في واقع الحياة بشكل وصايا أخلاقية أو (تعاليم أخلاقية)، كما في الوصايا العشر في الديانة اليهودية.
3-  أن يتجسد مجموعة من الأعمال الشعائرية والطقسية والرمزية تشكل (عبادات دينية)، وهذه الشعائر والطقوس هي كما عبّر عنها رواية (الأمير الصغير) عندما سأل الأمير الثعلب وما الطقوس؟ أجاب: إنها شيء طواه النسيان. هي ما يجعل أحد الأيام مختلفًا عن سائر الأيام، ويجعل ساعة محددة مختلفة عن سائر الساعات. فمن يصطادونني مثلًا لهم طقس معين. فهم يرقصون يوم الخميس مع فتيات القرية، فيصير بذلك يوم الخميس يومًا عجيبًا! أذهب فيه للنزهة حتى أبلغ الكرمة. فلو كان الصيادون يرقصون في أي وقت كان، لكانت كل الأيام متشابهة، ولما كانت لي إجازة على الإطلاق.
4-  وجود اعتقاد بحصول تشويه أو تحريف أو سقوط في وجودنا الإنساني الراهن، وتؤكد على ضرورة التحرر من هذا السقوط وتحقيق وضعية وجود إنسان أعلى وهو ما يسمى بـ(نظام الخلاصي)، حيث تشترك الأديان الكبرى كالبوذية والمسيحية والإسلام، بل حتى الماركسية في الاهتمام بمشكلة خلاص الإنسان، وهذا ما ذهب إليه أيضًا الفيلسوف الأمريكي جوزايا رويس عندما ذكر بأنه: تشترك الأديان الكبرى كالبوذية والمسيحية في الاهتمام بمشكلة خلاص الإنسان، ويُعبر دائمًا عن هذا الاهتمام بالقول إن هاتين العقيدتين تهتمان بتحرير البشر من وزر كبير، ومن النقص، والخرافة، والشر، والبؤس، والرذيلة، الاهتمام بخلاص الإنسان الصفة الأساسية للدين أينما جاء ذكر كلمة الدين. وتصبح الموضوعات الدينية تلك التي تؤدي معرفتها – إذا أمكن معرفتها على الإطلاق - إلى معرفة طريق الخلاص أو تساعد على معرفته، وتتمثل المسلّمة الأساسية والمصادرة الرئيسة لأي دين في أن كل إنسان يحتاج للخلاص. ومع هذه الحقائق الأربع للدين، ذهب الاقتصادي الأمريكي جوزيف أ. شومبيتر أيضًا بخصوص الماركسية، حين ذكر: أن الماركسية بمعنى من معانيها هي دين، وهي تقدم للمؤمن :
أ‌-     نظام من الغايات الأخيرة التي تجسد معنى الحياة وهي معايير مطلقة بها تُقاس الأحداث والأعمال.
ب‌-هي دليل لتلك الغايات يتضمن خطة خلاص والإشارة إلى الشر الذي ستُخلص منه البشرية، وتنتمي الاشتراكية الماركسية أيضًا إلى تلك الفئة التي تَعِد بالفردوس إلى هذا الجانب من القبر.

إن الصفة الدينية للماركسية تشرح أيضًا الموقف المميز للماركسي الأرثوذوكسي من الخصوم، وبالنسبة إليه كما بالنسبة إلى أي مؤمن بعقيدة لا يبدو الخصم مخطأً فحسب، لكنه مرتكب خطيئة، والانشقاق مرفوض أخلاقيًا وليس فكريًا فقط، كما وعدت الرسالة الماركسية بفردوس الاشتراكية الأرضية لقلوب ملايين من البشر من خلال كتابهم المقدّس المسمى بـ(رأس المال) الذي جاء به نبيّ الماركسية الكبير كارل ماركس.

وبناءً على هذه الحقائق يمكن تعريف الدين : بأنه أي مذهب للفكر والعمل تشترك فيه جماعة من الناس تعطي للفرد تفسيرًا لعالم الوجود، وتقدم له منهجية خاصة على شكل وصايا أخلاقية يلتزم بها، متجسدة بمجموعة من الشعائر والطقوس التعبدية، ومؤمنًا بحصول تشويه في وجودنا الإنساني وتؤكد على ضرورة التحرر من هذا السقوط وتحقيق وضعية وجود إنسان أعلى وهو ما يسمى بـ(نظام الخلاصي أو التحرر).

 

المصادر والمراجع باللغة العربية

· إكزوبيري، أنطوان دوسانت، 2013م : الأمير الصغير، ترجمة : محمد التهامي العماري، المركز الثقافي العربي – المغرب.

· ديورانت، ول، 1956م : مباهج الفلسفة، ج2، ترجمة : د. أحمد فؤاد الإهواني، مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة.

· كانط، إيمانويل، 2012م : الدين في حدود مجرّد العقل، ترجمة : فتحي المسكيني، جداول للنشر والتوزيع – بيروت.

· فويرباخ، 2007م : ماهية الدين، ترجمة : د. أحمد عبد الحليم عطية، دار الثقافة العربية – القاهرة.

· مارشال، جوردون، 2007م : موسوعة علم الاجتماع، ج2، ترجمة : د. محمد الجوهري وآخرين، الطبعة الثانية، المجلس الأعلى للثقافة – مصر.

· فتغنشتاين، لودفيك، 2007م : تحقيقات فلسفية، ترجمة : د. عبد الرزاق بنّور، المنظمة العربية للترجمة – بيروت.

· ستيس، ولتر، 2013م : الزمان والأزل، ترجمة : د. زكريا إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة.

· شومبيتر، جوزيف أ. 2011م : الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية، ترجمة : حيدر حاج إسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت.

· رويس، جوزايا، 2007م : مصادر البصيرة الدينية، ترجمة : أحمد الأنصاري، المشروع القومي للترجمة – القاهرة.

· هيك، جون، 2010م : فلسفة الدين، ترجمة : طارق عسيلي، دار المعارف الحكمية – بيروت.

المصادر والمراجع باللغة الإنجليزية

  • DURKHEIM، EMILE، 1976: The Elementary Forms of the Religious
    Life
    ، George Alien & Unwin Ltd- New York.
  • Spiro، Melford، 1966: Religion: Problems of Definition
    and explanation
    – London: Tavistock Publications Limited for the
    Association of Social Anthropologists of the Commonwealth.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أديان
عرض التعليقات
تحميل المزيد