يمكن التفريق بين الحاجة والرغبة كشخص جائع جدًا يُسّر لأي طعام، وآخر يختار شرائح اللحم ليتناولها بكل هدوء. – ثيودور رايك

مما يقرب من أسبوعين، على إحدى القنوات المصرية، رأيت سؤالًا مطروحًا على المشاهدين، هل يحق للزوج أن يطلب من زوجته أن ترقص له؟!»، ليست مشكلتي أن هذا السؤال مطروحٌ في دولة سجنت مغنيةً لكونها أخرجت محتوى به بعض الإيحاءات الجنسية، وسجنت إعلاميًا لكونه تكلم في الدين واستخف ببعض الأحاديث المنسبة للرسول، وقامت بإيقاف مذيعة لكونها تكلمت عن مشاعر الأنثى تجاه العلاقات الجنسية، لا عزيزي هذه ليست مشكلتي على الإطلاق، لكن مشكلتي في الإجابات التي جعلت البيوت الزوجية «بيوت دعارة» إن صح التعبير.

فلسفة الجنس

فلسفة الجنس هي فلسفة تختص بتعريف الجنسانيات، كالاغتصاب أو الدُعر أو الزواج أو الماسوشية أو المازوخية أو المثلية الجنسية أو البهيمية وغيره؛ كي تحدد إذا كانت هذه الأشياء صحيحة أم خاطئة من وجهة النظر الفلسفية.

عندما تدخل في أي من العلاقات الجنسية يجب أن تكون هناك مشاعر حب، أي أنك إن التحقت ببيت دُعر ومارست الجنس مع عاهرة؛ فستشعر تجاهها بالحب أثناء علاقتك بها، وفور أن تُخرج سائلك، تختفي مشاعرك تجاهها، قد تشعر بالتقزز منها أيضًا، هذا الحب اللحظي ناتج إفراز هرموني الأكسيتوسين والدوبامين وغيرهما، على العموم ليس هذا موضوعنا ولا يتسع المقال لشرح كيفية عمل الهرمونات، لكن كل ما يجب أن تعرفه أن هذا الحب ما هو إلا عملية كيميائية داخل الدماغ. سأطلب منك أن تفكر كفيلسوف جنسي وأن تجيبني، ما غرض ذهابك لتلك العاهرة لتقضية ليلة معها؟ إن كان غرضك احتياجيًا ناتجًا عن زيادة عدد الحيوانات المنوية مما حفز لديك الشهوة الجنسية، أو إن كان الأمر مجرد رغبة في الحصول على السعادة، فهذا ليس سلوكًا يحترم وأيضًا ينافي القيم الإنسانية!

كيف يمكنك أن تقول أن سلوكًا ينافي القيم الإنسانية؟

عندما تكونت أول خلية في منطقة بكتيرية (صالحة لعيش البكتيريا البدائية) في أعماق البحر – حيث لعب الضغط لعبته العبثية وطرد الماء من أعماقه -، تناسلت تلك الخلية واقعة في البحر الصافي، كان تدحرجها في الماء لا ينتهي وكانت تيارات الماء تعيق من حياتها فاحتاجت لأن تقف صلدة في مواجهة الماء؛ فتغير حمضها النووي ليجعلها أعقد؛ فتحولت البكتيريا إلى الإسفنجيات، والإسفنجيات إلى أسماك، والأسماك إلى برمائيات، والبرمائيات إلى ثدييات، التي من بينها خرجنا نحن إلى هذا العالم الذي كان يحكمه الأقوى جسدًا لنغير الأرض، ونجعل الدببة والأسود ترضخ لعلقنا الفذ، لتلعن السمكة شقيقاتها اللائي خرجن إلى البحر ليأتين بنا على مر ملايين السنين.

حكمنا العالم؛ فكانت لنا السيادة العليا، ولكوننا متشابهين متحابين لاحتياجنا لبعضنا البعض؛ كان يجب أن نضع لنا تعريف الأخلاق التي نتعامل بها التي تستند بشكل أساسي لما يسمى القيم الإنسانية، وهذه القيم تأتي من ترفعنا معنويًا عن الحيوانات الأخرى بالعقل والسلطة؛ فلا يمكن للملك ألا يأكل بالشوكة مع أن الشعب يأكل طوال اليوم بيده!

يعتقد المتفائلون في فلسفة الجنس أنه لا حرج على الإنسان في شهوته الجنسية، بل هي أيضًا أكثر رقيًا من باقي الشهوات لأنها تتضمن مراعاة الطرف الآخر في العملية الجنسية وإرضاءه، لكن هذه الرغبة بالنسبة لهم ليست بالمهمة، ليست بالشيءِ الجيد أو السيئ ووضعها تحت لافتة القيم ليس بالمهم.

أما المتشائمون أمثال كانط وفرويد فيرون أن أي فعلٍ يقوم به الإنسان يجب أن يتماشى مع قيمه الإنسانية وهدفه؛ فالجنس في هذه الحالة ليس بالمهم إلا في التناسل والتكاثر. عندما تُفكر كمتدين فأنت تتبع منطق المتشائمين، أي فعل يقوم به الإنسان يجب أن يتوافق مع القيم الإنسانية التي يتم التعبير عنها بالدين القويم الذي تتبعه.

يقول سبينوزا في كتاب علم الأخلاق:

إن جميع الشهوات أو الرغبات انفعالات سلبية من جهة، كونها تتولد من أفكار غير تامة، وينظر إلى نفس تلك الرغبات أنها فضائل عندما تستثيرها أو تولدها أفكار تامة.

عندما تخص الجنس للمتعة فأنت هنا تضع شهوته تحت نطاق فكري غير تام! لأن الشهوة للشهوة هي فكرة غير تامة بالنسبة للغرور البشري؛ فهو أمرٌ حيوانيٌ غير مرضٍ لنا وليس له معنى؛ فوجب وضعها تحت مسمى أرقى من ذلك، وهو الرغبة التي نشأت منها الشهوة كضرورة تطورية، ألا وهي الرغبة في التناسل، التناسل الذي يعد العماد الأول للحيوان ليحافظ على بقائه، فكان الجنس وسيلة لضرورة ليس لشهوة لا يستطيع الإنسان أن يقاومها! ومع ضيق الأفق على الإنسان وانحزاز الرغبة في حلقه عندما أصبح الجنس ليس متاحًا كالماضي البدائي؛ أراد أن يضع رغبته في مسمى أرقى؛ فابتكر عقله فكرة العشق التي سماها سبينوزا «رغبة التناسل»، وهنا تحولت الشهوة إلى فكرة تامة فنظر إليها البشر كفضيلة. أعلم أنه قد يبدو لك فعله هذا لا يغير من أن الجنس يُعبَر عنه إلا بالشهوة أيضًا وكل ما يفعله الإنسان هو إيهام نفسه، لكن نحن هنا نكتب حسب المنطق الجمعي والأرضية الفكرية التي بناها البشر بالفعل.

الواقع وواقعه

عندما يرتدي الرجل الواقي الذكري ويدخل في علاقة جنسية مع امرأة (يحبها أو لا) ويطلب منها أن ترقص له تستثيره جنسيًا كي يمارس معها الجنس ويحظى بمتعته الجنسية؛ فقل لي بربك أين الرغبة في التناسل؟! أين العشق الذي يُراد التعبير عنه؟! أنت هنا تتجرد من كل القيم الإنسانية التي تزعم التحلي بها يا عزيزي! قد أتقبل فعلك هذا إن خرج من شخصٍ عدميٍ يؤمن أن الإنسان والحيوان سيان بينهما، لكن أن يخرج من شخص يؤمن بدين يقول عنه إنه يُعلي القيم الإنسانية ويقدسها ويعتبر الإنسان هو هدف كل الخليقة هو شيءٌ غير منطقي ولا أستطيع أن أتقبله!

عندما بدأت المداخلات جلست لأسمع علّني أجد شخصًا ما يقظًا لتلك الكارثة التي لا يخجل أصحابها في عرضها – وهم في نفس الوقت يخجلون من استضافة ملحد أو لاديني للنقاش ويشفرون الألفاظ ينعت فيها أشخاصٌ أشخاصًا بأولاد حيوانات وهم يعرضون سؤالًا يشبه البشر جميعًا بالحيوانات! – لكنني فوجئت بأن كل من دخل ليبدي رأيه كان إما مع طلبه ولكن مع حق الزوجة في الرفض، إما مع طلبه ومع عدم قبول رفض الزوجة! حتى إن الشيوخ الذين تدخلوا قالوا إن الزوجة التي تقدر على الرقص وترفضه هي آثمة وتلعنها الملائكة! ومما سمعت أستطيع أن أؤكد لك أيها القارئ أن تبعية الدين للإنسانية شوهت من قيمها – أعني الإنسانية – وأسقطتها عند حاملي رايتها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مشكلة الحب
مشكلات فلسفة
IEP
سيكولوجية العلاقات الجنسية
عرض التعليقات
تحميل المزيد