«البقاء للأصلح»، وليس «البقاء للأقوى»!

أصل الأنواع، الإصدار الخامس، تشارلز داروين

على العكس من الخطأ الشائع بنسبة مقولة «البقاء للأقوى» لعالم التاريخ الطبيعي البريطاني تشارلز داروين، فإن «البقاء للأصلح» وليس للاقوى! وذلك وفقًا للمبدأ الرئيسي الذي يسميه داروين «الانتقاء الطبيعي»، فى موسوعته الأشهر «أصل الأنواع»، والذي يضيف في الإصدار الخامس منها «… لكن التعبير المستخدم عادة من قِبل السيد هربرت سبنسر القائل: «البقاء للأصلح» هو أكثر دقة». وهو ما يعني ببساطة أن العديد من الكائنات الحية الأضخم والأقوى قد اندثرت (الديناصور مثلا)، على حين أن كائنات أخرى شديدة الضعف استمرت عبر ملايين السنين، (البعوضة مثلا)!، لا لسبب سوى أن هذه الكائنات الأقوى لم تستطع التتكيف مع التطورات الحادثة فى البيئة المحيطة، على حين أن الكائنات الأضعف استطاعت! انه البقاء للأصلح.

هناك ميعاد «تاريخي» محدد لرحيل الرئيس (كمنفذ لمحصلة مصالح قوى السلطة الحاكمة، وممثلًا ورمزًا لها)، هذا الميعاد يحددة تاريخ مدة «انتهاء صلاحية» الرئيس، هذه المدة مرتبطة بانتهاء دوره «تاريخيًا»، بعد إنجازه للمهمة «التاريخية» المحددة، هذه المهمة التي تتحدد وفقًا لمحصلة جملة المصالح للقوى الحاكمة فعليًا، محليًا وإقليميًا ودوليًا، ليصبح هذا الرئيس بعد هذه المدة – سواء فشل في إنجاز هذه المهمة أو نجح في إنجازها، وفشل في استكمال إنجاز المراحل التالية من نفس المهمة – عندها يصبح هذا الرئيس، عبئًا على مصالح تلك القوى، ووجب رحيله! وأيًا كانت الوسيلة، انقلاب مباشر، انقلاب ناعم، انقلاب «سابق التجهيز» تسمم، حادثة تؤدي للوفاة، أو اغتيال .. إلخ، في كل الأحوال فالرحيل يجب أن يتم!

هذه «القاعدة المقدسة» تسري في مصر منذ عام 1952، حتى أنها طبقت على الرئيسين الاستثنائيين – والاستثناء يؤكد القاعدة ولا ينفيها – عدلي منصور ومحمد مرسي! فالاول هو الرئيس الانتقالي، الذي كان يعلم موعد رحيله قبل توليه الرئاسة! أما الثاني فهو الرئيس الاستثنائي الذي لم يعلم موعد رحيله، المحدد من قبل توليه الرئاسة! حتى هذان الاستثناءان تنطبق عليهما أيضًا «القاعدة المقدسة»، فالأول رحل بعد أن أنهى دور المحلل! أما الثاني فرحل بعد أن أنهى دور «القطة» التي سيتم ذبحها كأداة ردع لكل من تسول له نفسه، من خارج المؤسسة العسكرية، أن يحلم بحكم المحروسة! حتى لوكان ابن مدني لرئيس ينتمي لنفس المؤسسة العسكرية! (2).

وهي نفس «القاعدة المقدسة» التي طبقت على الرئيس محمد نجيبب أول رئيس جمهورية بعد 52، فرحل (بالعزل حتى وفاته) بعد أن أعطى بشعبيته – داخل وخارج الجيش المصري – أعطى الشعبية والشرعية لحركة الضباط الأحرار عام 52! ولأنه طالب بالديمقراطية والحكم المدني، وجب رحيله! «وفاة الرئيس محمد نجيب إثر أزمة قلبية»! هذا نص المنطوق الذي سمعه الرئيس محمد نجيب، في منفاه، «الميت الحي» عام 1966 أثناء إنصاته لإذاعة لندن!  (3)

بل إنه من عجائب السياسة في مصر، أن تنطبق نفس «القاعدة المقدسة» على جماعة «الإخوان المسلمين»  عام 54، بعد أن ساهمت «الجماعة» في إنجاح وشعبية حركة الضباط الأحرار عام 52! واللذين كان معظمهم أعضاء في نفس «الجماعة»!

محمد نجيب أعطى الشعبية والشرعية لحركة الضباط، وحصل على العزلة حتى الممات!

تعد حرب 1948 بين الجيش العربي والإسرائيلي بداية شعبية محمد نجيب على المستوي الشعبي، وعلى مستوي الجيش المصري، للتضحيات والشجاعة التي اشتهر بها فى ميدان القتال، وفي حين كانت ثورة يوليو في بدايتها حركة، مجرد حركة عسكرية، لكنها لاقت قبول الشعب المصري واستقبلتها الجماهير بحفاوة بالغة وأطلقت عليها «ثورة» فقد كان قائدها رجلًا شهد له الكل بالشجاعة وكان نجيب سر نجاح الثورة!

محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر بعد إنهاء الملكية وإعلان الجمهورية في 18 يونيو 1953 كان على خلاف مع ضباط مجلس قيادة الثورة بسبب رغبته في إرجاع الجيش لثكناته وعودة الحياة النيابية المدنية، ونتيجة لذلك في 14 نوفمبر 1954 أجبره مجلس قيادة الثورة على الاستقالة، ووضعه تحت الإقامة الجبرية مع أسرته في قصر زينب الوكيل بعيدًا عن الحياة السياسية ومنع أي زيارات له، حتى عام 1971 حينما قرر الرئيس السادات إنهاء الإقامة الجبرية المفروضة عليه، لكنه ظل ممنوعًا من الظهور الإعلامي حتى وفاته في 28 أغسطس 1984!

يقول نجيب في مذكراته «لقد خرج الجيش من الثكنات وانتشر في كل المصالح والوزارات المدنية فوقعت الكارثة التي لا نزال نعاني منها إلى الآن في مصر». (4)

بعد إحكام سيطرة الضباط الأحرار على سلطة حكم مصر، عندها انتهى دور محمد نجيب «تاريخيًا»، ومطلوب رئيس جديد يستكمل إنجاز المراحل التالية من نفس المهمة، مصر بدون ديمقراطية!

جمال عبد الناصر أخيرًا اعترف بإسرائيل فانتهى دوره ووجب رحيله، موتًا!

جمال عبد الناصر ثاني رؤساء مصر. تولى السلطة من  1956، إلى وفاته 1970 الذي رفض الديمقراطية والحكم المدني، وعزل محمد نجيب، وفي الوقت نفسه، كانت عمليات التطهير تدور على قدم وساق، للخلاص من أنصار الديموقراطية في كل أجهزة الدولة، حتى إن عدد اساتذة الجامعات الذين شملهم التطهير في عام واحد 450 أستاذًا أغلبهم كانوا من خريجي أشهر وأهم جامعات أوروبا، وتم تعيين صاغ (رائد) وعضو جماعة الإخوان (كمال الدين حسين) وزيرًا للمعارف في سنة 1954 ولمدة 12 سنة متواصلة، وفي المكان نفسه الذي شغله قبل ثلاث سنوات عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين. (5)

بعد هزيمة 67 قبل عبد الناصر بمبادرة روجرز وبالقرار 242 الذي يعترف فيه أخيرًا بإسرائيل، بعد كل الصخب، عندها انتهى دوره «تاريخيًا»، بعد أن أنهى مهمته بإعطاء الشرعية لإسرائيل، ومطلوب رئيس جديد يحول الاعتراف إلى معاهدة دولية رسمية، وضمانها باقتصاد حر، وارتباط استراتيجي وعسكري بأمريكا، فتم ترحيل عبد الناصر بالموت!

أنور السادات أنجز معاهدة السلام والتحول للسوق الحر فانتهى دوره ووجب رحيله، اغتيالًا!

أنور السادات ثالث  رؤساء مصر  في الفترة من سبتمبر 1970 وحتى 6 أكتوبر1981. انقلب السادات على رجالات عبد الناصر في مايو 1971 وكان اغتيال السادات للجنرالات في حادثة الطائرة العسكرية الشهيرة، التي اصطدمت بعمود كهرباء في الصحراء! كان انقلابًا خوفًا من توابع اتفاق السلام مع إسرائيل داخليًا وخارجيًا وأولها السير باتجاه الاقتصاد الحر والسوق المفتوحة وهو ما يضع أنشطة الجيش الاقتصادية والامتيازات تحت الرقابة ثم تقع الطامة الأكبر وهي الحكم المدني بالتالي.

بعد انتصار 73 قبل السادات بمبادرة وقف إطلاق النار! واتفاقية فك الاشتباك الأولى) جنيف 18 يناير 1974(، والثانية (جنيف سبتمبر 1975)، ومن ثم اتفاقية كامب ديفيد (17 سبتمبر 1978)، ثم معاهدة السلام المنفردة مع إسرائيل (واشنطن 26 مارس 1979)، عندها انتهى دور السادات تاريخيًا، ومطلوب رئيس جديد يمتص الغضب مصريا وعربيا، وينجز باقي المهمة، بتحويل الصلح من صلح على الورق إلى صلح على الأرض، مصريًا وعربيًا!

السادات انتهى دوره «تاريخيًا»، بعد أن أنهى مهمته بعقد صلح مباشر منفرد مع إسرائيل، فتم ترحيله بالاغتيال العلني المتلفز في ذروة احتفاله مع  جيشه المنتصر في 6 أكتوبر!

حسني مبارك امتص الغضب وعمق التحول الاقتصادي، والارتباط بأمريكا، وتحول من «الكفن ملهوش جيوب» إلى تعميم الفساد، وتحول لمشروع التوريث «المدني»، وانتفض الشعب، فوجب رحيله، بالعزل!

جاء مبارك، وبعد امتصاص موجة الغضب على السادات في الداخل والخارج، والإفراج عن معتقلي 5 سبتمبر، وعودة مصر لجامعة الدول العربية، وعودة الجامعة للقاهرة! هدأت العاصفة التي هبت على اتفاقيات السادات، ثم استدار مبارك بهدوء لتحقيق الثروة، وتوريثها لنجله بمشروع حكم عائلي، فكان خطؤه القاتل! اختلط عليه الأمر ولم يدرك الفرق القاتل، بين ميراث المؤسسة العسكرية الممتد منذ 52، وبين ميراث عائلة مبارك! (2) ومن  ثم انقلب على شركائه من بعد اغتيال السادات وعلى رأسهم أبو غزالة في 1987! مع تهيئة المسرح لصعود نجم الوريث المدني، فتم تصعيد لدور الداخلية على حساب المؤسسات الأمنية العسكرية! ألم يقل السادات إن حرب 73 هي آخر الحروب!، طبعًا مع الحفاظ على كافة المزايا التي تتمتع بها المؤسسة العسكرية، بل وتطوير وتوسيع جهاز الخدمة المدنية للقوات المسلحة! وبالتالي كان «الانقلاب الاستباقي» للمجلس العسكري على مبارك في 11 فبراير 2011، باغتنام فرصة تاريخية في تحويل 25 يناير «من نقمة إلى نعمة»، بانقلاب ناعم، قبل أن ينقلب مبارك عليهم برئيس مدني – «جمال مبارك» ورجال أعماله – وما يمثله ذلك من خطر داهم على المكانة المتفردة للمؤسسة العسكرية منذ 52! وفي نفس الوقت قطع الطريق على تحول 25 يناير إلى ثورة مكتملة! (6)

تخمد «الثورة / الانتفاضة» أو تنتكس – إلى حين – وتنتصر السلطة القائمة، أو السلطة المستنسخة منها، عندما لا تكون «الثورة / الانتفاضة» متزامنة مع انتهاء دور الرئيس وتحوله من منجز للمهمة، إلى معيق لإنجاز المهمة، أو معيق لإنجاز المرحلة التالية من نفس المهمة، إلى أن تتزامن «الثورة / الانتفاضة» مع انتهاء دور الرئيس وتحوله من منجز إلى معوق، ساعتها تنتصر «الثورة / الانتفاضة»، إما بانتصار جزئي «انتفاضة» بتغيير الرئيس وبعض من أعوانه، وبعض من سياساته، أو بانتصار كامل «ثورة»، بتغيير أنماط العلاقات الإنتاجية وطبيعة السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية … إلخ، كل ذلك شرط اعتبار أن «الثورة / الانتفاضة» عنصر فاعل أساسي، ولكن ليس الوحيد، في تحديد انتهاء أو عدم انتهاء دور الرئيس.

الإجابة الآن هي:

ما هي المهمة «التاريخية» التي سيرحل بعد إنجازها، الرئيس عبد الفتاح السيسي؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد