لا شك في أن «الثورة الفرنسية» كانت من أكثر الثورات «دموية» على مر التاريخ، وذلك ليس ـ فقط ـ لأنها أطاحت بكل من قامت عليهم الثورة بأبشع الطرق، ولكن للآسف؛ لأن الثورة استعرت إلى أن أحرقت بنارها أبناءها، وتخلصت منهم أيضًا بأكثر الطرق دموية.

بعد نجاح المرحلة الأولى من الثورة، أطاحت الأحزاب ببعضها البعض، وبدأ عهد الصراع على السلطة، تحولت فرنسا إلى «دولة شمولية»، بين عشية ليلة وضحاها، أصبح أغلب الأماكن العامة منافذ لبيع الذخيرة والأسلحة وتصنيعها، ليس هذا فقط، بل أصبح الثوار مطلوبين.

كان الخطر المرتقب في هذا الوقت أن فرنسا تواجه مخاطر خارجية أيضًا، وتهديدًا بريطانيًا، مما مهد للدولة الحديثة بالثورة إصدار قانون، عرف فيما بعد بقانون «الطوارئ»، وأصبح أرباب الثورة أمس هم أعداء الدولة اليوم، فقد علقوا المشانق، ولقموا البنادق.

وأصبحت الساحة حمراء، والمجال الوحيد لكسب السلطة اليوم هو الاقتصاد، فسارت الأحزاب مثل «اليعاقبة»، يقتلون باسم الثورة، ويغتالون باسم الثورة، وأصبح القمع لاحدود له.

وأصبح أن كل ما يهم اليوم هو كيف نسيطر، وننفرد بالسلطة، ومع تصاعد وتيرة قانون «الطوارئ» الذي مهد الطريق للـ«يعاقبة»، باستباحة قتل الثوار، والاستيلاء على الثورة، وتطورت الأحداث إلى أن أصبح هذا العصر يسمى بعصر «الإرهاب»، أو عهد «الرعب»، بسبب الذعر الذي نتج عنه، في أخطار متمثلة من الخارج أو الفوضى الداخلية.

لم تكن المرة الأولى التي يظهر فيها اسم الإرهاب؛  فقد ظهر أول مرة تحت اسم إرهاب سبتمبر 1792، ثم برز في فترة 1793 مرورًا بفترة الإرهاب الأبيض، الذى بلغ مداه في حركة واسعة من الإعدامات والاغتيالات لثوريي «السان كيلوت»، ولكل من كانت له صلة بـ«اليعاقبة»، آملة أن يعيد هذا الإرهاب الأبيض الاستقرار للشارع، ويقضى على العناصر «الراديكالية» الشعبية، وأخيرًا: ثم إرهاب آخر ظهر، بعد سقوط «نابليون».

والآن، نأتي للُب الموضوع: متى ظهر لفظ الإرهاب؟ وماذا كان يعني؟

فإن أول ظهور لفكرة الإرهاب كانت مقترنة مع ظهور الثورة الفرنسية، بل على العكس، فقد اقترنت بها مع مرور الوقت، في هذا الوقت بالتحديد كانت أوروبا تمر بمراحل سياسية صعبة، وخصوصًا فرنسا التي كانت وسط م الاضطربات السياسية الجذرية، وأيضًا ثارت المستعمرات الأمريكية على البريطانيين، وكان وقتها الإرهاب معروفًا تحت اسم «التخويف الحكومي» «government by intimidation»، أي أن الحكومة المسئولة عن ترهيب المواطنين، والحكومات هي المسئولة عن الترهيب أو التخويف؛ لأجل أهداف خارجية أو داخلية لنشر الذعر، وفرض السيطرة، وممارسة الهيمنة، للانفراد بالسلطة.

«عهد الإرهاب» الذي حدث في فرنسا بواسطة الحكومة من قتل وترويع للسياسين، هو أفضل توضيح للمعنى الحقيقي للمصطلح القديم؛ إذ إن معنى ترويع المواطنين أو «الإرهاب»، حتى عام 1795 في قاموس «أوكسفورد» كان يترجم لكلمة (government by intimidation) . بمعنى أن الحكومات هي المسئولة عن التخويف والإرهاب؛ «إشارة إلى سلوك الدولة المستبد».

وظل يستعمل هذا المصطلح، حتى عام 1798، حتى بعد الثورة الفرنسية، وفي القاموس الفرنسي تحت مسمى «نظام الإرهاب»، وذلك نسبة إلى أنه في «عهد الإرهاب» بفرنسا كان الإرهاب يستعمل كأداة للحكم والسيطرة، «حكومة عن طريق التخويف».

الآن مصطلح «الإرهاب» يستخدم عادة لوصف الأعمال الإرهابية التي ترتكبها الكيانات غير الحكومية، أو دون الوطنية، ضد الدولة.

لذلك نرى أن بداية «الإرهاب»، وانطلاقه كان على يد الدولة، للسيطرة على السلطة، والتنكيل بالثوار، مرورًا بتتطور الأمور للتنكيل بالدول، بعضها البعض، والنيل منها، ووصولًا إلى معنى المصطلح الحالي، الذي ـ عادة ـ أصبح يصف الكيانات المستقلة عن الحكومات.

في النهاية يتبقى أن نعلم أن لفظ (terror) من أصل لاتيني، وأول من استخدم المصطلح الصريح «الإرهاب»، في العصر الحديث، في القرن الثامن عشر، كانوا «اليعاقبة» مناصري الحزب؛ للتنكيل بالثوار، ومن أي شخص يقف أمام مدهم للاستيلاء على السلطة، حتى إعدام «روبيسبير» في 28 يوليو 1794. «ماكسميليان روبسپيير»، وهو من أشهر السفاحين على وجه الأرض؛ إذ قتل ستة آلاف شخص في ستة أسابيع فقط، والنصير الرئيس لعهد الإرهاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإرهاب, فرنسا
عرض التعليقات
تحميل المزيد