عاد الإرهاب يطل علينا بوجهه القبيح، وكأن استباحته لسيناء لا تكفي، وكأن تفجيره لكنيسة واحدة لا يروي ظمأه لدماء الأبرياء ، فها هو يطعننا بغدر في سويداء القلب ليزيد الوطن جراحًا إلى جراحه التي لم تندمل بعد ،وصل الإرهاب إلى مدينتي الصغيرة طنطا فضرب بعنف وفجر كنيسة مارجرجس ليخلف نحو ثلاثين قتيلًا وعشرات المصابين.

عندما ضرب الإرهاب مدينتي أحسست بالغربة في وطني فعندما سمعت أنباء التفجير كتمتها في نفسي وأنا أمني نفسي بأنها إشاعة مغرضة أو حتى محاولة إرهابية باءت بالفشل.

حتى بعد أن تيقنت من الأمر، حاولت ألا أصدق ، سارعت بمحاولة الاتصال بزميل والدي المسيحي الذي يقطن بجوار تلك الكنيسة لأطمئن عليه،،،،،

لكن حتى وإن نجا فماذا عن كل تلك الأرواح التي سفكت دون حق وكل تلك الأنفس التي أزهقت دون أي مبرر؟

حاولت أن أخرج من ذلك الحصار النفسي لأطرح بعض الأسئلة المنطقية لعلها تساعد قليلًا في حل أحجية تلك التفجيرات الإرهابية التي توالت في الفترة الأخيرة بلا إنقطاع  ، و هنا تبادر إلى ذهني أسئلة منطقية منهاحاولت الإجابة عليها و من تلك الأسئلة ما يلى :

أولًا: لماذا يصر الإرهاب على ضرب الكنائس باستمرار و في أوقات تجمع المسيحيين على الرغم من استباحته للمسلمين بل وللسلفيين منهم  كما حدث مع أمين حزب النور بشمال سيناء الذي قتلوه بدم بارد؟

من الملاحظ بجلاء خلال الفترة الماضية أن الإرهاب طور أداءه وأهدافه فلم يعد يعنيه إلا شيء واحد: الكنائس وفقط، مع تعمد إحداث أكبر قدر ممكن من القتلى والجرحى عبر استهداف الكنائس في أوقات تجمع المسيحيين وهو بهذا يحقق عدة أهداف خبيثة منها:

1– توليد شعور قوي لدى المسيحيين بأنهم أقلية مستهدفة مظلومة معتدى عليها والدولة لا تستطيع حمايتهم في كنائسهم، وهذا يمزق نسيج الوطن والسلم الإجتماعى بعنف، فالعزلة الشعورية لجزء من الوطن وتحوصله مجتمعيًا خوفًا على حياته هي أولى خطوات الحرب الأهلية التي يسعى إليها الإرهابيون بقوة، فعندما يشعر المسيحيون بالخوف والرعب في كنائسهم وبيوتهم فيطالبون الدولة بإلحاح بالتحرك لحمايتهم، لكن تظل المشكلة الرئيسية هى أن  الدولة تواجه تحديات جسامًا ومخاطر شتى وبالتالى قد تعجز عن القيام ببعض مسئولياتها و منها تأمين الكنائس فتكرر التفجيرات و تراق الدماء أنهارا ، ومع تكرار العمليات الإرهابية سيتولد شعور يقيني لدى المسيحيين بأن الدولة تتعمد إهمالهم لأنهم أقلية فيطالبون برحيل كبار المسئولين وبتأمين خاص لكنائسهم ومنازلهم، وذلك حدث بالفعل في تفجير الكنيسة البطرسية و حدث منذ أيام قلائل عقب تفجير كنيسة مارجرجس، وفي المرة الأولى لم تستجب الحكومة ولم تعاقب أحدًا، أما في الثانية فلم تجد بدًا من إقالة مدير أمن الغربية و عدد من قيادات الأمن الوطنى ، لكن المتابع للأحداث يرى بوضوح أن سقف مطالب المسيحيين يزداد تحت الضغط النفسى لما يتعرضون له من عمليات إرهابية تستهدف كنائسهم ، و عما قريب سيرتفع سقف مطالب المسيحيين إلى مستوى مطالب قد لا يمكن للحكومة تلبيتها، فهل سترفض الحكومة مطالبهم فتروي ذلك الإحساس المتنامي لدى شباب المسيحيين بالذات بالإضطهاد ؟ أم ستعوضهم بمزايا مجتمعية تحدث نوعًا من الحنق المجتمعي والتوتر الطائفي بين المسلمين والمسيحيين؟ أم ستتدارك الأمر قبل حدوث كل ذلك وتبدأ طريق العلاج السليم قبل أن ينتشر المرض في جسد الوطن؟ لا أحد يعرف الإجابة فقط الجهات السيادية فى النظام المصرى هى من تملك الإجابة.

2– ممارسة مزيد من الضغط الأمني والمجتمعي على الإسلاميين المعتدلين خاصة المنتمين منهم للدعوة السلفية وحزب النور ، فالمتأمل للمشهد خلال الشهور الأخيرة يلاحظ كثافة الخطاب الموجه لشباب الدعوة السلفية من قبل داعمي العنف  ، ولعلي أتذكر الحديث المطول للشيخ محمد عبد المقصود والموجه أغلبه لأتباع برهامي – كما أسماهم هو – لحضهم على التخلي عن الدعوة السلفية وحزب النور و الإرتماء في أحضان أصحاب الفكر الصدامي، ويصاحب مثل تلك الخطابات رسائل أخرى على الأرض منها  تفجير كنيسة في الإسكندرية معقل السلفيين فهي رسالة تحريضية واضحة موجهه للأمن المصري  ضد الدعوة السلفية على أمل أن تعيد الشرطة  سيناريو «سيد بلال» مما يوغر صدور شباب السلفيين ويسهل جذبهم لمعسكر التكفيريين، فبهذا يكون التكفيريون تخلصوا من العائق الأول أمامهم والطرف الوحيد في مصر القادر على التصدي علميًا لهم ودحض شبهاتهم، فكما قال الباحث المعروف د. ناجح إبراهيم في حواره مع مجدي الجلاد: «الفرق الوحيد بين مطروح وسيناء والذي جعل مطروح بلا إرهاب بينما سيناء يصول فيها الإرهاب ويجول هو وجود الدعوة السلفية بقوة في مطروح وعدم وجودها بقوة في سيناء»، ترى هل الأمن المصري مدرك لذلك البعد أم سينفذ ما يسعى إليه التكفيريون؟ الأيام القادمة تحمل فى طياتها الإجابة .

3– ممارسة مزيد من الضغط الاقتصادي على الدولة المصرية، فدولة يهددها الإرهاب بعنف ويضرب كنائسها ويهاجم قواتها في سيناء هي دولة غير جاذبة للإستثمار الأجنبي، وكلما ازداد الوضع الاقتصادي سوءًا زاد الفقر و الغضب ، وكلما زاد غضب الشعب من السلطة القائمة سهل جذب الشباب إلى المعسكر المقابل و مع إنسداد قنوات العمل السياسى و تضييق الحريات يطل الإرهاب برأسه كمغناطيس جاذب للشباب الغاضب المحبط مما وصل إليه حال البلد خاصة فى ظل وجود إعلام أعمى يصب الزيت على النار .

ثانيًا: هل تحارب وزارة الأوقاف الإرهاب أم أنها كالدب الذي قتل صاحبه دون قصد؟

 في محاولة من وزارة الأوقاف للتودد للنظام القائم يقوم بعض وكلاء الوزارة ومفتشيها وكبار رجالها بإيقاف الدعاة السلفيين المعتدلين بل ويطردونهم خارج مساجدهم التي يمارسون فيها الدعوة منذ عشرات السنوات، والعجيب أنه في أغلب الأحيان يتم استبدال آخرين بأولئك الدعاة السلفيين يكون سمتهم اللازم محدودية العلم الشرعي بل وبعض أولئك الدعاة التابعين للأوقاف يكونون متبنين للفكر الصدامي مع الدولة، للأسف الشديد هذا متواتر الحدوث فكثيرًا ما استُبدِل بالداعية السلفي الذي بذل حياته للدعوة إلى الله وتحصين الشباب من فكر التفكير والتفجير بآخرُ منتمٍ للأوقاف لكنه متبن ذلك الفكر الصدامى أو جاهل بكيفية الرد على شبهاته بالبراهين القاطعة لينقذ الشباب المغرر بهم ، فتصبح حينها وزارة الأوقاف كالدب الذي قتل صاحبه.

ثالثًا: ماذا ينبغي للدولة أن تفعل حتى لا تتكرر مثل تلك الحوادث البشعة؟

عادة ما تتعامل الدولة المصرية مع الإرهاب بخطوات ثابتة لعل أبرزها توسيع قاعدة الاشتباه واعتقال عدد من الشباب، بعضهم بالفعل داعم للإرهاب لكن أغلبهم لا جرم له إلا أنه ملتحٍ ثم يتم الضغط بعنف على أولئك المعتلقين ظالمهم ومظلومهم وتحت وطأة التعذيب و ظلام الظلم يتحول الشباب المسالم تدريجيًا إلى المعسكر المقابل، وتمضي شهور أو حتى سنوات ثم يخرج أولئك الشباب من السجون بعد أن ذاقوا الويلات خلف الأسوار ثم يواجهون واقع أقصى و أكثر مرارة خارج الأسوار و قد نبذهم المجتمع بلا ذنب اقترفوه فلا يجدون أمامهم إلا السعى نحو  في محاضن الجماعات الإرهابية التي تلهث لضمهم إليها ليكونوا وقودًا لتفجير آخر وتدور الدائرة وإلى الله المشتكى.

لكي تتمكن الدولة من التغلب على خطر الإرهاب الذي ينخر في الوطن بعنف لابد أن تدرك جيدًا أن الحل الأمني بمفرده غير كاف وأن إثقال كاهل الشرطة بمسئولية كل شيء بداية من شهادات الميلاد و تصاريح الوفاة مرورا بإستخراج جوازات السفر  و ضبط المرور أمر في غاية الخطورة، لذا فلابد من تفريغ الشرطة للقيام بدورها الأصلى مع السعى نحو تطوير وتحديث القطاع الشرطي فلا يستقيم أن نزج بالضباط والمجندين في الشوارع في مواجهة الإرهاب دون تدريبهم وتسليحهم بأحدث الوسائل التكنولوجية التي تضمن سلامتهم وتيسر لهم أداء مهمتهم ، فلا يستقيم أن نحمل الشرطة فوق طاقتها بكثير ثم نحاسبها على تقصيرها فكما قال الحكيم «إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع».

وأيضا لا مفر من إفساح المجال للدعاة المعتدلين أصحاب التأثير والحصافة والبيان وإن لم يكونوا تابعين للأوقاف، وحظر ظهور قليلي العلم والتأثير وإن كانوا من كبار المسئولين فى الأوقاف ، فمثلًا لا يتخيل عاقل أن يتم محاصرة بعض الشيوخ المعتدلين مثل شيوخ الدعوة السلفية الذين يذودون عن الوطن بالحجة والبيان والبرهان بينما يتم الإفساح لبعض من ليس له مقومات إلا انتسابه للأوقاف المخترقة فكريًا.

أخيرًا، لا يسعني إلا أن أقدم العزاء لأهالى قتلى تفجير كنيسة مارجرجس و نسأل الله له أن يحفظ لنا مصرنا من كل سوء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد