منذ بداية الحضارة والإنسان يريد أن يشبع فضوله، فقد ترددت أسئلة عديدة في عقله منها: من أين أتيت؟ ما الذي يقبع خلف السماء؟ هل لحياتي هدف سامٍ؟ ما الذي يحدث لي بعد الموت؟ وقد ظل يبحث عن إجابات لهذه الأسئلة وغيرها الكثير، وقد جاءه رسول بشوش يحمل العديد من هذه الإجابات التي تشفي صدره، وهذا الرسول هو الدين.

حاولت الفلسفة بالطبع مزاحمة الدين بوصفه مصدرًا للمعرفة ولكن هذه الأولى كانت في الغالب تأتي بمزيد من الأسئلة فضلًا عن إجابات واضحة، لذا ظل الدين هو أهم مصدر للمعرفة خاصة في أمور الغيبيات التي لم يتمكن الإنسان القديم من سبر أغوارها بأي وسيلة أخرى، إلى أن دخل لاعبٌ جديد الساحة؛ العلم.

النجاح منقطع النظير الذي حققه العلم في جميع مجالات الحياة تقريبًا جعل الجميع يحترمه، ولكن عندما بدأ العلم يعرض إجابات مختلفة عن أشياء أعطى فيها الدين كلمته النهائية من قبل، كان الصدام حتميًا.

محطات الصراع بين العلم والدين تعددت عبر التاريخ ولكن ظلت هناك بضع قضايا هي الأهم على الإطلاق لذا كان الصدام فيها مدويًا، ونحن هنا نذكر أهم 4 محطات لهذا الصراع.

1- مركزية الأرض Geocentrism

النموذج الكوني القائل بأن الأرض تقع في مركزه بينما الأجرام السماوية هي التي تدور حولها كان معروفًا لدى الإغريق القدامى منذ الفترة ما قبل السقراطية مرورًا بأفلاطون وأرسطو اللذين كتبا في هذا الموضوع ووصفا الكون على أنه جسم كروي والأرض في منتصفه بينما القمر والشمس والكواكب والنجوم البعيدة تحتل مدارات دائرية تكون حلقات حول الأرض، ثم جاء بطليموس في القرن الثاني الميلادي وعدل في النموذج الإغريقي وساهم بعمله في جعل نموذج «مركزية الأرض» هو النموذج المعتمد لدى جميع الفلكيين قرونًا عديدة دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض عليه.

من أسباب نجاح نموذج بطليموس أنه كان يبدو بديهيًا، فالأرض بالفعل تبدو ثابتة غير متحركة بينما الأجرام السماوية تبدو كما لو كانت هي التي تتعاقب في الدوران حولها. سبب آخر هو أن هذا النموذج أرضى الغرور البشري بأن وضع الأرض التي يعيش عليها الإنسان مركز لكل شيء.

لكن السبب الأهم كان أنه توافق تمامًا مع النصوص الدينية المسيحية فتبنته وأيدته الكنيسة الكاثوليكية منذ توليها مقاليد الحكم في أوروبا في العصور الوسطى، إلى أن جاء كوبرنيكوس في القرن السادس عشر بأول تحد حقيقي لنموذج بطليموس وللكنيسة الكاثوليكية بأن نشر أبحاثه التي اقترحت نموذجًا مختلفًا للكون وهو نموذج مركزية الشمس Heliocentrism، والذي وضع فيه الشمس مركزًا ثابتًا للمجموعة الشمسية بينما الأرض مجرد أحد الكواكب التي تدور حولها.

لم تلتفت الكنيسة وقتها لبحث كوبرنيكوس ولم تضطهده خاصة أنه مات بعد نشره بشهرين فقط، استمر معظم الفلكيين في تجاهلهم لهذا النموذج، ولكن هذا التجاهل لم يعد يصلح عندما ظهر جاليليو في القرن السابع عشر لينشر كتابه الذي تحدث فيه عن ملاحظاته عبر التليسكوب الذي صممه، والتي تثبت نموذج كوبرنيكوس وتدحض نموذج بطليموس.

تم التحقيق مع جاليليو من قبل محاكم التفتيش المرعبة بعد اتهامه بالهرطقة في عام 1633 وحُكِمَ عليه بالحبس الإجباري في منزله حيث استمر يعمل إلى أن مات عام 1642 وحرصت الكنيسة على أن يُدفَن في قبر مجهول.

في العام 1835 وأمام الأدلة الدامغة، تنازلت الكنيسة أخيرًا عن مهاجمتها لنموذج مركزية الشمس وفي العام 1992 اعتذر البابا جون بول الثاني رسميًا عن المعاملة التي تلقاها جاليليو من قبل الكنيسة، بل إنه حتى انتشرت تقارير عن إقامة تمثال لجاليليو في محيط الفاتيكان ولكن يبدو أن الكنيسة أجلت هذا المشروع إلى أجل غير مسمى.

نستطيع القول إن قضية مركزية الأرض كانت أول وأكبر هزيمة للدين من قبل العلم واللوم في هذه الهزيمة يقع على التفسير الحرفي للنص الديني، والعجيب أنه لا تزال توجد مجموعات صغيرة إلى الآن تدافع عن هذا التفسير الحرفي وعن نموذج مركزية الأرض معتقدين أن نموذج كوبرنيكوس هو مؤامرة دُبِّرتْ للقضاء على الدين.

2- عمر الكون

عمر الكون لم يذكر صراحة في الكتاب المقدس إلا أن هذا لم يمنع الباحثين الدينيين من محاولة تحديده عن طريق الاستنباط من أحداث الكتاب المقدس وشخصياته، وقد كان عمر الكون وعمر الأرض هما نفس الشيء.

تواصلت المحاولات العديدة التي شارك فيها أعظم العقول البشرية مثل نيوتن الذي استنبط أن الكون خلق عام 4000 ق.م.، ويوهان كيبلر الذي كان استنتاجه هو عام 3993 ق.م.، وبحلول عام 1738 تم إعلان أن هناك ما لا يقل عن 200 رقم مختلفين يحددون عمر الكون بناء على الكتاب المقدس ولكن معظم هذه الأرقام تؤكد أن الكون عمره لا يتجاوز العشرة آلاف عام.

ربما أشهر رقم تم تداوله على أنه الرقم الصحيح لبداية الكون كان 4004 ق.م. الذي تقدم به جيمس آشر رئيس الأساقفة الأيرلندي عام 1650 والذي لم يكتفِ فيه بتحديد عام خلق الكون، بل ذهب إلى أبعد من هذا بأن حدد أن الكون خلق في ليلة الأحد الموافق للثالث من أكتوبر لذاك العام.

بالنسبة للعلم فقد كان للفيزياء الكلاسيكية رأيٌ في عمر الكون وهو أن الكون أزلي لا بداية له، أما فيما يخص الأرض ففي القرن الثامن عشر صار واضحًا للجيولوجيين أن العمليات الجيولوجية بطيئة للغاية وتوحي بأن عمر الأرض ربما يكون ملايين السنين إن لم يكن أكثر مما يتحدى الرأي الديني.

لم يكن قبل بداية القرن العشرين عندما بدأت نظرة العلم للكون تتغير بعض الشيء، فقد أثبت إدوين هابل وآخرون أن الكون ليس أبديًا بل له بداية معتمدين على ملاحظة أن النجوم والمجرات آخذة في التباعد مما ينبئ أنهم كانوا أقرب في وقت ما، وبالعودة إلى الوراء نجد أن الكون كان نقطة واحدة، موافقين في هذا الكتاب المقدس ولكن مختلفين معه في أنه طبقًا لهذه الحسابات فعمر الكون يبلغ حوالي 14 مليار سنة.

في الوقت نفسه ازدادت عملية التأريخ الإشعاعي دقة إلى أن جاء كلير كاميرون باترسون في عام 1956 ليعلن أن عمر الأرض هو حوالي 4.5 مليار سنة.

بظهور الاكتشافات السابقة والتأكد منها لاحت هزيمة أخرى في الأفق للدين أمام العلم، ومرة أخرى السبب يعود إلى التفسير الحرفي للنص، لذا فقد تنازل العديد من رجال الدين عن فكرة أن الكون شاب صغير السن، لكن رغم هذا فقد أظهرت إحصائية أجريت عام 2009 في الولايات المتحدة أن 39% من الأمريكان يؤمنون أن الله خلق الكون وكل شيء آخر في خلال العشرة آلاف سنة الماضية، مما يعني أن هذه الفكرة لا تزال متأصلة في عقول الكثيرين الذين يرفضون ما يقوله العلم.

3- الفيضان العظيم وسفينة نوح

حضارات عديدة حول العالم شاركت قصة الفيضان الهائل الذي أرسله إله أو آلهة عديدة انتقامًا من شرور البشر، وربما تكون أقرب هذه القصص لقصة نوح هي ملحمة جلجاميش التي انتشرت في حضارات ما بين النهرين، ففيها قابل جلجاميش شخصًا يدعى أوتنابشتم قص عليه كيف أن الآلهة قد ضاقت ذرعًا بشرور البشر وأنها قررت أن تغرقهم ولكن أمرته ببناء سفينة ضخمة لإنقاذ نفسه وأهله وحيوانات الأرض، ويعتقد الكثيرون أن أوتنابشتم هذا هو نفسه نوح عليه السلام.

المهم أن انتشار هذه القصة بين حضارات لا علاقة ظاهرة بينها دفعت بالعديد من العلماء الذين لا يؤمنون بالدين بالضرورة إلى الاعتقاد أن المصادفة حتمًا لا دور لها هنا، وأن القصة قد تكون حدثت بالفعل، فدأبوا على البحث ولكن كان عليهم إيجاد نقطة الانطلاق.

أتت نقطة الانطلاق هذه عن طريق بحث نشره عالمان من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة قالا فيه أن البحر الأسود كان في أحد الأيام عبارة عن بحيرة معزولة من الماء العذب ولكن فيضانًا عظيمًا قادمًا من البحر المتوسط أغرق هذه المنطقة واستبدل بمياهها العذبة مياهًا مالحة.

تحمس الكثيرون لهذه الفكرة وأحدهم كان روبرت بالارد الذي عثر هو وفريقه سابقًا على حطام سفينة التيتانك، وبالفعل اتجه إلى البحر الأسود في محاولة للعثور على أي دليل على وجود نوع من الحضارة في المنطقة دمرها فيضان كارثي.

بالفعل عثر بالارد على أدلة تفيد أن كارثة ما حدثت في المنطقة في زمن يقارب 5000 ق.م. وهو تقريبًا الزمن نفسه الذي حدثت فيه قصة نوح طبقًا للكثير من خبراء الكتاب المقدس، ثم عثر بالارد على أوان تنبئ بأن المنطقة كانت آهلة بالسكان ولكن الاكتشاف الأكثر إثارة أنه عثر على حطام سفينة خشبية ضخمة حفظت بشكل كبير نتيجة لقلة نسبة الأكسجين في البحر الأسود.

المشكلة هي أن التأريخ الإشعاعي للحطام يفيد أن السفينة غرقت حوالي 500 ق.م. أي لا تتوافق مع عمر سفينة نوح، ولكن مع هذا يمكننا اعتبار اكتشاف بالارد خطوة هامة لإثبات أحداث الفيضان.

ولكن إذا كان العلم لا يعترض على حدوث الفيضان بالفعل، فهو بالتأكيد يعترض على تفاصيل أخرى للقصة ونلخص أهم هذه الاعتراضات فيما يلي:

  • الترسبات الجيولوجية لا تؤيد أن الفيضان حدث في كل مكان على الأرض في الوقت نفسه كما تقول الأديان الإبراهيمية، بل يمكن أن يكون حدث فقط في موقع محدود.
  • التنوع الجيني الذي نراه في البشر اليوم لا يمكن أن يكون قد أتى من مجموعة صغيرة من الناجين بصفات جينية محدودة في بضعة آلاف من السنين.
  • حفريات الكائنات المنقرضة التي لم تنج على سفينة نوح كما يقول الكتاب المقدس.

إذن لا نستطيع أن نقول أن هناك من فاز في هذه الجولة بين العلم والدين بل يمكن أن نقول إن النتيجة هي التعادل إلى إشعار آخر.

4- التطور

ربما لا يوجد صراع بين العلم والدين أعنف من الصراع حول نظرية التطور، فمنذ أن نشر تشارلز داروين كتابه «أصل الأنواع» في عام 1859 والدنيا قامت ولم تقعد. العجيب أن الكثير من رجال الدين لم يعترضوا على النظرية وقت ظهورها واعتبروها دليلًا على عظمة الله، ولكن الصوت الأعلى كان لهؤلاء الذين أثارت النظرية غضبهم إلى أقصى حد، أحد هؤلاء كان أسقف أوكسفورد، صامويل ويلبرفورس، الذي سأل في مناظرة متحف أوكسفورد الشهيرة عام 1860 عما إذا كان داروين يزعم أن سلفه القرد جاء عن طريق جده أم جدته.

الهجوم استمر حادًا، بل إن أحد أهم أسباب دفاع المتدينين عن فكرة أن عمر الأرض لم يتجاوز العشرة آلاف عام هي أن هذا الوقت القصير لا يتيح للتطور أن يحدث ومن ثم لا يجعل له أساسًا.

أحد أهم وسائل الهجوم على نظرية التطور كانت الدفع إلى إلغاء تدريسها في المدارس العامة بالولايات المتحدة وهذا أسرف عن إحدى أهم القضايا على الإطلاق، وهي قضية جون سكوبس مدرس الأحياء بإحدى مدارس مقاطعة دايتون بولاية تينيسي عام 1925، فقد اتُّهِمَ سكوبس بأنه خالف القانون الذي يمنع تدريس التطور لمخالفته تعاليم الكتاب المقدس. انتهت المحاكمة بإدانة سكوبس وتغريمه مبلغًا من المال ولكن صدى هذه المحاكمة كان قد أثار الرأي العام الذي رأى فيها رمزًا للصراع بين العلم والدين.

جاء الرد عن طريق المحكمة العليا بالولايات المتحدة في الستينيات والتي أصدرت قرارًا جريئًا بفرض عقوبات على حكومات الولايات التي تمنع تدريس نظرية التطور، ليس هذا فحسب بل إن العقوبات تفرض كذلك إذا تم تدريس الخلق المباشر إلى جانب التطور.

كانت هذه ضربة موجعة للخلقويين (أنصار الخلق المباشر)، فحاولوا تعديل إستراتيجيتهم بأن يلبسوا الخلق المباشر لباسًا علميًا كي يصير ندًا للتطور وجديرًا بالتدريس للطلبة إلى جانبه، ولكن كل هذه المحاولات لم تنجح إلى الآن.

مع هذا يظل الصراع مستمرًا وهذا ليس بالغريب، فدراسة أجرتها مؤسسة جالوب للإحصائيات عام 2014 أعلنت أن 42% من الأمريكان ما زالوا يؤمنون بالخلق المباشر، بينما 50% يؤمنون بالتطور ولكنّ هؤلاء مقسمون بين 31% يؤمنون بأن التطور موجه عن طريق الله و19% يؤمنون بأن الله لم يتدخل في عملية التطور بل هو الانتقاء الطبيعي، ومن هنا نرى أن الأرقام قريبة مما ينبئ أن نتيجة الصراع لم تحسم بعد في هذه القضية الحيوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العلم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد