في مؤتمر الدول الاستبدادية الديكتاتورية العسكرية الهمجية المتخلفة، تبادل الزعماء النقاش حول طرق قمع شعوبهم بالحديد والنار، وبصعق الكهرباء وبغير الكهرباء، وتحطيم وسحق نفوس المعارضين وتحويلهم إلى أشباه بني آدم!

وتناقشوا أيضًا حول أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لنزع الاعترافات من المعارضين بالعنوة، حتى وصل خيط الحوار إلى مسئول إحدى الدول الاستبدادية الذي وقف وهتف قائلًا:

-أحدث ما عندنا من حكم شعبنا هو حكمهم (بزعيم ميت)!

انتشر لغط التعليقات والهمهمات والاستنكارات بين الزعماء الحاضرين، فتساءل أحد الزعماء مندهشًا:

نحن في بلدنا – وأظن أغلب بلدانكم – نصوت للموتى في الانتخابات، أما أن يحكم ميت فهذا أمر غريب!

وتساءل زعيم ثانِ:

-ولماذا لا تعينون أحدكم مكان الزعيم المتوفي؟!

فأجابه المسئول:

-هذه طريقة جديدة للحكم أحببتُ أن أخبركم بها.

فغروا أفواههم مندهشين.

استأنف المسئول الحوار:

– لا تندهشوا يا فخامة الروؤساء والملوك والزعماء؛ فهذه الطريقة للحكم هي أحدث إبداع وصلنا إليه عبر التاريخ البشري كله.

ازدادت الدهشة أكثر بين الحاضرين، وتساءل أحدهم بحدة:

– ولماذا ترضون بحاكم ميت يحكم بلدكم الغريبة ولا تحكم أنت أو أنتم؟!

أجابه المسئول بهدوء:

– إن دورنا هو إدارة الدولة بخيوط نتحكم فيها؛ حيث نحكم باسم الزعيم الميت، ونعين الوزراء باسم الزعيم الميت، والحكومة باسم الزعيم الميت، ونتحكم في مؤسسات الدولة مؤسسة مؤسسة وحولناها إلى (سكرتارية) تأتمر بأمر الزعيم الميت، ونحقق كل أهدافنا بقمع شعبنا باسم الزعيم الميت، وندير الدولة لمصلحتنا باسم الزعيم الميت، وحتى ثرواتنا الشخصية نحققها باسم الزعيم الميت، وثروات البلد هي ثرواتنا ولا نترك إلا الفتات للشعب كما نفعل كلنا (وأشار إليهم).

أخذ المسئول نفسًا عميقًا، وأكمل وهو يتفرس في عيون الحاضرين:

– ولماذا نتحمل نحن أي سلبية أو انتكاسة أو فشل تقع فيه الدولة؛ فكل سلبيات الحكم تقع على الزعيم الميت، والفساد يُنسب للزعيم الميت، وإذا وُجدت ثمة معارضة للفساد وللفشل فهي للزعيم الميت، وحتى التاريخ ذاته سيحكم ضد زعيمنا الميت!

تساءل حاكم آخر:

– وإلى أي مدى ستحكمون بلدكم بهذه الطريقة الغريبة؟

وتساءل ثالث ساخرًا:

– هل تحكمون باسمه حتى يعود إلى الحياة؟

وتساءل رابع متهكما:

– وهل ستحكمون باسمه حتى يوم القيامة؟

تبسم المسئول ضاحكًا:

– زعيمنا ليس بميت موت حقيقي، ولكنه مثل الميت حيث يعاني من عدة أمراض تؤثر على صحته وحتى وعيه؛ فهو لا يدري عما يدور حوله، ولا يدري عن ترشيحنا له للانتخابات الرئاسية منذ أكثر من 10 سنوات، ولا حتى يدري شيئًا عن حقيقة صحته المتدهورة؛ فهو بحكم الميت تمامًا.

تعجب الحاضرون مما سمعوا من إبداع هذا المسئول ورفاقه في حكم بلدهم باسم الزعيم المعتبر في عداد الموتى!

لذلك لم نندهش حينما هب الشعب الجزائري الشقيق وانتفض منذ 22 فبراير (شباط) 2019 وحتى الآن، ونفض عنه غبار الصمت الطويل في احتجاجات شعبية رافضة لترشيح عبد العزيز بو تفليقة لفترة خامسة بعدما حكم 20 سنة، وانضمت فئات الشعب المختلفة في ثورة مجيدة ليدكوا عرش الطواغيت الذين يحكمون بلدهم باسم الرئيس بو تفليقة والذي يعاني من عدة أمراض تؤثر على صحته؛ وبالتالي ليس له أي دور في حكم بلد كبير مثل الجزائر وهو مقعد عاجز عن فعل أي شيء، بالإضافة إلى أن العوز والشيخوخة (82 عامًا) وخرفها والمرض واللاوعي، تجوس حول كرسي الحكم منذ سنوات طويلة!

وطبعًا، تجاهل الإعلام الرسمي الجزائري هذه الاحتجاجات، وتجاهل أيضًا الإعلام العالمي ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية هذه الاحتجاجات مثلما فعلوا مع ثورة الشعب السوداني الشقيق، ولكن مع الوقت وإصرار الثوار على رفضهم لترشيح بو تفليقة للانتخابات الرئاسية، وخروجهم في مظاهرات ضخمة، وحتى المناضلة (جميلة بو حيرد) تقدمت هذه المظاهرات، سلط الإعلام العالمي الضوء على هذه المظاهرات، وها هي دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية علقت عليها وأيدت حق الشعب الجزائري في حقه في التظاهر؛ (التظاهر فقط؟) وها هي ثورة السودان الجارية قد انتبه إليها الغرب وإعلامه وأيدوا حق السودانيين في التظاهر وفي اختيار حاكمهم وبدأ الضغط الدولي على عمر البشير.

وعلى الشعب الجزائري الحر ألا يدع الفرصة للقوات المسلحة بأن تقوم بانقلاب عسكري وتُخرج (حاكم عسكري جديد) ينضم إلى القافلة الكريهة من العسكريين الذي يتشبثون بكرسي الحكم حتى وفاتهم، ويجب علي الجزائريين أيضًا أن يتعلموا من أخطاء ثورات الربيع العربي، وعليهم أيضًا ألا يتركوا الشارع حتى تحقق إرادتهم في انتخابات حرة نزيهة، وأن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وأن يعلوا سقف طلباتهم وأهدافهم، وعليهم ألا يألوا جهدًا في العمل على أن يترك الجيش سدة الحكم ويعود إلى ثكناته العسكرية ليقوم بدوره الحقيقي في حماية البلاد.

إن الشعوب الميتة هي التي يحكمها حكام لا يتركون كرسي الحكم إلا بعد مجيء ملك الموت إليهم. إن الشعوب الميتة هي شعوب (لا تهش ولا تنش) في أمور بلدانهم. إن الشعوب الميتة هي التي ترضخ للطغاة والمستبدين والفراعين. إن الشعوب الميتة هي التي ترضى بالظلم والقهر والعبودية!

إن الشعوب الحية لا ترضى أبدًا بأن يحكمها ميت، ولا ترضى أبدًا أن يحكمها زعيم مريض وكأنه ميت؛ لأنها ستكون أضحوكة ومسخرة بين الأمم، ولا ترضى أبدًا بالحكم العسكري الفاشي، ولا بالدكتاتورية، ولا بالحكم الاستبدادي، ولا تسلم أبدًا لعصابة خطفت السلطة واستولت على مقادير البلد، إنما تصر هذه الشعوب الحية والواعية على نيل حقها في حكم نفسها بنفسها، وعلى حقها في الحرية والعدالة اجتماعية والكرامة الإنسانية، كما هتف ثوار الربيع العربي في 2011.

حيَّ على الثورة في الجزائر، وحيَّ على الثورة في السودان، وحيَّ على أحرار المصريين الذين خرجوا في احتجاجات كثيرة ضد حكم السيسي وحكم الطغاة، وحيَّ على الثائر (أحمد محي) الذي وقف في ميدان التحرير بمفرده ليعلنها صراحة (ارحل يا سيسي)، وحيَّ على ثوار (حق العودة) في غزة الحرة، وحيَّ على على الأحرار خلف القضبان وفي كل مكان.

إن ثمن الحرية غالِ ونفيسِ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s