في يوم من أيام عام 2008 وصلتُ إلى جامعة القاهرة في العاشرة صباحا وغادرتها في الخامسة عصرا، لم أتخيل في حياتي كلها البالغة ثمانية عشر عاما أنني سأحتاج إلى سبع ساعات لاستخراج أوراق التنسيق الجامعي، لم أتوقع أن الأمر سيمتلئ بكل تلك المأساوية وأنا ما زلت الفتاة البريئة ذات الصفحات البيضاء.

كنا آلافا من الطلبة المغتربين، نصطف طوابير مع أهالينا، سائلين الوطن أن يمنحنا أحقية الانضمام إلى جامعاته “العريقة”، كانت تنتابني أحلاما وردية ونضالية، فأنا سأنضم إلى الصرح الذي كان يدرس فيه طه حسين ونجيب محفوظ، وهي نفس الجامعة التي تخرج منها والدي، والذي كان جدي رحمه الله من أوائل دفعات كلية الهندسة في بداية تأسيسها عندما كانت تدعى “جامعة فؤاد الأول”، صرت أتخيل حكايات والدتي عن جدي وهو في الجامعة بالبدلة الكاملة والطربوش ومسطرة المهندس المجتهد ضمن دفعة كاملة لا تضم سوى فتاتين فقط.

استيقظت من أحلامي القادمة من أفلام عماد حمدي وفاتن حمامة على صوت “مدام عواتشيف” -حيث كانت المرة الأولى في حياتي أحتك فيها بهذا النوع من الكائنات- وهي تصرخ فيّ دون أي مبرر أو سبب: “300 جنيه”، أنا لم أعترض ولم أبادلها الصراخ وما زلت حتى الآن أتساءل لماذا صرخت بي.

تلك الـ “300 جنيه” التي تفاجأ بها الجميع لمجرد سحب خمس وريقات تحتوي على خانات لملئ الرغبات، وقف عدد كبير من الطلاب غير المستعدين لهذا المبلغ للاتصال بذويهم لإحضار النقود، حسنا.. لا تتعجب كثيرا، لقد كنا الطلاب المدللين المرفهين الذين يُعتقد فينا أننا نملك الملايين في المصارف، لم يكن بحوذتنا 300 جنيه لدفعها مقابل أحقية أن نتعلم في أرض الوطن.

كانت تنتابنا العديد من المشاعر الجياشة والأحلام الوردية، يحلم الواحد منا أن يكون الدكتور فلان الذي سيقع في حب الطالبة المستجدة في كلية طب، والتي سيغمى عليها في حضورها الأول في غرفة التشريح، وأنني ربما أكون تلك الفتاة!

أو سأكون فاتن حمامة في “الباب المفتوح” التي تقاتل المعيد الرجعي الذكوري الذي يريد الاستئثار بها وتدمير عقلها وفكرها لصالح أن تكون زوجة عادية وتقليدية ومطيعة، وأنني سألتقي بالشاب الذي سأبني معه منزلنا طوبة ذهب وطوبة فضة.

كل تلك الأحلام أذابتها شمس أغسطس التي رافقتنا طوال السبع ساعات أمام مكاتب شئون الطلبة في جامعة القاهرة.

لم يتوقف الوضع عند الـ “300” جنيه وامتد إلى 20 جنيها طوابع، 50 جنيها تصوير ورق، 50 جنيها أخرى صور شخصية فورية، وإلى ما آخره من الـ 50 جنيها، وكأن مدام “عواتشيف” قد رأت فيما يرى الرائي بأننا الطلبة المدللون الأثرياء، وعلينا أن ندفع ضريبة دلالنا وثرائنا.

ثم يفاجئنا التنسيق بأننا كطلبة وافدين من الخارج حاصلين على الـ 99% والـ 100% لا نستطيع دخول كليات الطب والهندسة والصيدلة ولا حتى العلوم!

– “حضرتك أنا جايبة 99% بعد المعادلة والمستوى الرفيع وجتلي الرغبة رقم 25! زراعة! حضرتك ليه كدة!”.

ـ “انتي من أنهي دولة؟”.

ـ “السعودية”.

ـ “السعودية السنة دي مجاميعها مرتفعة جدا وعدد الكراسي المخصصة في كلية الصيدلة للطلبة الوافدين من السعودية 3 كراسي بس”.

ـ “نعم!”.

ـ “أصل يا بنتي كل دولة بتيجي ليها تنسيق مختلف عن التانية حسب نسبة مجاميع الطلبة وعددهم فمثلا إنتي معرفتيش تدخلي صيدلة بس اللي اللي زيك جاي من الكويت دخل طب مستريح لأن الكويت عددهم أقل ونسبهم أقل”.

ـ “طب أعمل إيه دلوقت؟”.

ـ “اعملي طلب تغيير رغبات وأدامك 3 رغبات بس ممكن تكتبيهم”.

ـ “طيب اديني ورقة الطلب”.

ـ “500 جنيه”.

ـ “نعم؟!”.

ـ “الورقة بـ 500 جنيه. بقولك إيه شوفي من الآخر كدة الدولة عاوزاكم تتجهوا للجامعات الخاصة، روحي قدمي في الجامعة الكندية أو الألمانية وريحي نفسك وريحي أهلك من السحلة اللي هتشوفيها”.

 

هذا الحوار حدث بالنص مع أحد موظفي شئون الطلبة، وقد كان محقا جدا، فلقد واجهت “سحلة” لم أتعاف منها لعدة شهور، واجهت أقصى ما يمكن أن تواجهه الفتاة المغتربة الصغيرة ذات الثمانية عشرة عاما من مواقف ومصادمات، وكمية الـ “مدام عواتشيف” التي تعاملت معها في فترة وجيزة جدا دون أدنى خبرة سابقة، مجرد السير في شوارع القاهرة بكل تلك المعاكسات والتحرشات اللفظية والجسدية والشمس الحارقة والرطوبة الخانقة يجعلني أفقد النظرة المثالية إلى الوطن الأم الذي تشوقت لمقابلته والعيش على أرضه بعد ثلاثة عشر عاما غياب وغربة وقسوة.

لماذا يتم إهمال فئة المصريين المغتربين من الدراسات الاجتماعية والنفسية، لماذا يتم استنزافهم ماديا ونفسيا كضريبة على سوء الظروف المعيشية التي هربوا منها أملا في إيجاد حياة أفضل.

عدد المصريين المغتربين في الخارج حوالي 8 مليون، معظمهم مقيمون بالمملكة العربية السعودية، 20% منهم في بقية دول الخليج، 30% يتوزعون في أوروبا، تبلغ تحويلات المصريين البنكية إلى ذويهم في مصر حوالي 14 مليار دولار سنويّا.

بدأ أول فوج مهاجر إلى الخارج بعد 1952 بسبب ضغوط سياسية واجهها قطاع كبير، ثم توالت مجموعات العزوف عن أرض الوطن في عصر الرئيس أنور السادات بعد الانفتاح الذي تبنته سياسته الاقتصادية، آلاف من الطلبة خريجي الكليات تنتظرهم الحياة المرفهة ذات الرواتب المرتفعة في دول حديثة العهد بالطب والهندسة والتدريس، فيعودون إلى أرض الوطن مشكلين طبقة اجتماعية جديدة بين الطبقة المتوسطة والطبقة الثرية، لا تدري حتى الآن ما هي تعريفها.

في “ويكيبديا” صفحة تعريف مصطلح “الشتات المصري”… لقد أصبحنا مشتتين ولقد صار هناك مصطلحا يسمى الشتات المصري، علك تريد البحث عنه ومعرفة شتاتنا معرفة عميقة.

بعد ثورة 25 يناير، قرر جيلنا أن يوقف أفواج الهجرة التي لا طائل منها سوى حفنة جنيهات لا تستحق ما نخسره مقابلها من الغربة، والفجوة الثقافية التي تصيبنا، والبعد عن الأهل والأصدقاء والذكريات، كنتُ من الأشخاص الذين قرروا الاستقرار في مصر بعد التخرج والزواج وتربية أطفالي فيها، حسنا.. كان هناك بصيص من الأمل ظاهر في الأفق، ما لبث أن تحول إلى عاصفة ليلية هائجة مخربة ومخيفة، فانتهى بي الحال زوجة في بلاد الخليج لأكرر نفس السيناريو الذي خاضه والديّ.

كان أحد زملائي يحاول السفر إلى الخارج لتحسين مستواه المادي، ولكنه كان يستبعد السعودية من حساباته لأن مرتباتها قليلة، وما يكسبه في مصر هو ما سيحصل عليه هناك، أضف إلى ذلك طريقة المعيشة المنغلقة التي لا تناسبه ولا تناسب زوجته، حسنا… منذ مدة قريبة وجدته تراسلني وتخبرني أنه استقر في السعودية!

زميل آخر كان يعمل في الخليج.. فعل المستحيل ليعود إلى الوطن بعد قيام الثورة، وعاد.. وعاش القليل من الأمل ثم ما لبث أن “حَفَى” ليخرج من هذه البلدة… فعاد مغتربا مرة أخرى.

أهالينا سافروا “ليحوشوا قرشين” وجيلنا يسافر ليعيش عيشة كريمة، تجاوز الطموح مجرد “القرشين” وصارت “العيشة الآدمية” هي المحور الأساسي لهجرتنا، مياه نظيفة، طعام نظيف، شوارع مناسبة لسير بني آدم، ضمان بأن أبناءنا سينالون تعليما محترما في مدارس محترمة مع معلمين محترمين، ضمانا بأن ابنتي لن يتم التحرش بها وهي تسير في الشارع، وابني سينال ما يستحقه في جامعته، سأطمئن على نفسي وأنا ألد في إحدى المستشفيات دون أن يُقتل طفلي بسبب إهمال طبي تافه، وزوجي لن يخشى أن يقطع عمله للصلاة فيتهمه آخر بأنه إرهابي!

للغربة عيوب كثيرة، نحن نفتقد الذكريات هنا، نفتقد الوطن بشدة، نفتقد الأهل والأصدقاء وضحكات الشوارع، وطعم عصير القصب، ورائحة شوارع مصر القديمة، وحرارة شمس الأهرامات، ونسيم النيل النوبي، والمعابد الأقصرية الشامخة أمام كل عوامل التعرية، نفتقد صقيع يناير وكل ما هو أحمر في فبراير، نفتقد رائحة البطاطا، وشيشة قهاوي وسط البلد العميقة، استغلال مكتبات الشروق للمتعطشين للثقافة وحنان بائعي الأزبكية، لدرجة أنني أحيانا أفتقد “مدام عواتشيف”!

نفتقد كل ما هو كائن في الوطن.. ولكنه كان قاسيا بشكل كافٍ حتى جعلنا ندعو الله أن نخرج  منه آمنين سالمين حتى وإن كنا مشتتين.

متى تكف تلك القسوة علينا، ونعود ويعود بصيص الأمل الكائن في أفقه الوردي الأزرق كزرقة زلال مائه القادم مباشرة من الجنة.

متى نعود؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الغربة, الوطن, مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد