ملحوظة

هذه السلسلة من المقالات مشاهدات حقيقية يراها كل طبيب في وطننا، بعضهم يغض الطرف عنها، وبعضهم مثلي تؤلمه وتحزنه، فقررت أن أنقل لكم ما أراه وأعانيه؛ ليعرف جميعنا الحقيقة المرّة.

حينما يمرض الطبيب

أصابني الدوار والإنهاك فجأة وأنا في عملي في المستشفى الحكومي، إنها أعراض انخفاض الضغط التي أضحت تداهمني بين الحين والآخر، وهنا قد يتعجب كثير من أهل بلادنا من طبيب يداوي والطبيب مريض وكأنه ليس إنسيّا كبقية البشر فنتذكر قول عليّ صافي الغراوي:

يعالجنا الطيب إذا مرضـــــنا … فكيف بنا إذا مرض الطبيب

إنها حكمة الله فكلنا بنو آدم سواء فينا الطبيب وغير الطبيب، لتبقى الحقيقة الكبرى أن الشافي هو الله وحده.

المهمّ حينها أنني لم أجد بدًّا من أن أذهب لاستقبال المستشفى لأعرف ضغطي، كنت في المستشفى حينها، وبدهيّ أن أطلب المساعدة من داخل المستشفى؛ فكل عاقل يقول ذلك، والمسألة لا تحتاج أن أشد الرحال إلى مستشفى خاصّ لأتلقى العلاج وأنا أعمل في بيت من بيوت الطبّ! ذهبت أجَرِّرُ قدميّ المنهكتين صوب الاستقبال، طلبت المساعدة من طبيب الاستقبال، فقاس لي ضغطي فوجده منخفضًا، وهذا يعني ضرورة تركيب محلول ملح وريدي مع أمبول كورتيزون لرفع الضغط، ذهبت للممرضة لتنفذ لي العلاج، ولكني فوجئت حين صدمتني الممرضة بأنه لا يوجد في الاستقبال أمبول كورتيزون! فسألتها ببراءة: وما العمل الآن؟ قالت ببراءة أكثر: اذهب خارج المستشفى واشتر لنا الأمبول! كنتُ في هذه اللحظة أكاد لا أستطيع الوقوف على قدميّ من الدوار والتعب، لم أكن بالطبع أستطيع أن أتكلّف مشقة الذهاب خارج المستشفى لأحضر علاجي! فبادرتها بلا حيلة قائلًا: إذن ركبي لي المحلول بلا كورتيزون والأمر لله! حينها بادرتني بعض الأفكار الحزينة: ما بال المريض المسكين الذي أتى وحده إلى المستشفى بلا مرافق ولا معين؟ كيف يحضر دواء من خارج المستشفى المقفر هذا وهو لا يستطيع الوقوف على قدميه؟ وإن اغتفرنا ذنب خلوّ المستشفى من دوائها، فكيف نغتفر ألا يكون هناك قائم على شئون المرضى يشتري لهم مستلزماتهم؟

 غضضت الطرف قليلًا عن تلك الأفكار السلبية التي لن تزيدني إلا امتعاضًا واكتئابًا، وذهبت إلى سرير الملاحظة؛ لأتلقى محلولي الخالي من الكورتيزون! استلقيت على السرير بلا غطاء! نعم، لم يكن للسرير غطاء، فما عليك أيها المريض سوى أن تستلقي وتنام بلا غطاء في العراء، وتحمد الله على تلك النعمة! فربما غيرك في مجاهل إفريقيا لا يجد سريرًا أصلًا لينام عليه! ولا داعي لأسئلة مثل: هل النساء المريضات يستلقين كذلك بدون غطاء؟ فهذه أسئلة فضولية عبثية لا داعي لها! عمومًا حمدًا لله! ولكن هل ستستطيع النوم أيها المريض المغبون؟ أقول لك بصراحة: أنا لم أهنأ حينها بتلك النيمة دقيقة واحدة فقد حاصرني الذباب وطنينه من كل جانب! بعض المتفلسفين سيقول متطفلًا: وكيف لمستشفى وظيفته شفاء الناس أن يكون به ذباب طنّان ينقل الأدواء ويؤرق الأجفان ويقض مضجع السّقماء ويزيدهم ضيقًا وضجرًا؟ فأشفق أن أردّ على هذا الإنسان ذي الحسّ البريء الذي لا يعلم أنني رأيت في أحد المستشفيات الجامعية القططة ترتع وتلعب داخل العناية المركزة التي يفترض فيها التعقيم والتطهير المحكم.

 تحاملت على نفسي وحاولت دفع الذباب بيديّ الكليلتين ما استطعتُ إلى أن رصدتُ شيئًا مُلفتًا! أسرّة المرضى لا يوجد بينها ستائر فاصلة تحميهم من أعين غيرهم وتحفظ لهم حرماتهم! فأنا مثلًا كنت أرى المريض المستلقي على السرير بجواري وكان هو كذلك يراني! ظللت كذلك إلى أن جاء الممرض ليعطي ذلك المريض المستلقي بجوار سريري حقنة عضلية، ويالهول المنظر! في العراء وبدون حجاب وأمام ناظريّ كشف المريض ثيابه وأعطاه الممرض حقنته وأنا مشدوه! أين آدمية البشر؟ وأين كرامة الإنسان؟ وأين ستر العورات؟ يا ويلي لو كنتُ أنا مكانه! أيُقدّر الله لأبي أو أمي يومًا ما أن يأتيا لمثل هذا المكان ويعاملا كذلك المريض التعس؟ لا كتب الله عليّ ولا على أحد أحبابي ذلك أبدًا.

لم يكن المكث مدة تناولي المحلول فترة للتعافي والشفاء، بل زمنا لتصارع الأفكار في رأسي، لماذا يعامل أبناء وطني تلك المعاملة؟ ألا يستحقون معاملة كريمة كأبناء الأوطان الأخرى؟ أم أن لعنة هذه الأرض الخبيثة سلبت البشر حقوقهم وأورثتهم هذا الذل والقهر؟!

انتهت جلسة المحلول المليئة بالهواجس والصراعات الذهنية وقمتُ متعافيًا من مرضي بعض الشيء حاملًا مزيدًا من الهموم تجاه مستقبلي ومستقبل الأجيال القادمة وعزمت ألا آخذ جلسة علاجي في مستشفى حكومي مرة أخرى، فلأدفع من جيبي ولأشتر كرامتي فالكرامة في هذه الأرض لا يَنال بعضَها إلا مُشتروها بماله، مع العلم أنه قد يبذل ماله ولا يحصل كذلك على كرامته!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد