داخل هذا المربع الأحمر ذي السهم الأبيض في المنتصف المتجه ناحية اليمين، عالَمٌ آخر غير العالم الحقيقي الذي نعيش فيه ونتعامل بداخله معًا، إنه «يوتيوب» يا سادة.

«يوتيوب» هو موقع يسمح لمستخدميه برفع التسجيلات المرئية «مجانًا» من خلال إنشاء قناة عليه، ليشاهدها غيرهم، وكلما زاد عدد المشاهدين والمشتركين في القناة زاد الدخل الدولاري لصاحب القناة ليكون ذلك محفزًا له للاستمرارية في رفع تسجيلاته المرئية، بل تطويرها أيضًا لتجتذب أكبر عدد من المشاهدين، ويكتسب أكبر عدد من المتابعين.

بالعودة بنظام «فلاش باك» لعدد من الأسطر مضت، فقد ذكرت جملة «الدخل الدولاري»، والذي يعني بمعناه المبسط «الفلو »، وما أن تُذكر الفلوس عزيزي القارئ حتى تجد بعض الأعناق تشرأب، واللعاب يسيل، وبدأ سيل الأسئلة في الانهمار: هو اليوتيوب هيدخلي فلوس إزاي؟

عرف المصريون، ليس القدماء منهم سيدي القارئ، بل المعاصرين «وياليتهم ماعرفوا» أن «يوتيوب» يمكن أن يكون مصدر دخل إذا قمت ببعض الخطوات، من إنشاء قناة وجذب مشاهدين ومتابعين وما إلى آخره.

وانتفض المصريون «بعضهم وإن شئت قلت قليلٌ منهم» على غير عادتهم وأنشأوا القنوات، نعم عزيزي القارئ، فالمصري صاحب القناة يؤمن جدًّا بالتعددية، فإن كان استصعب عليه في الواقع أن يكون له زوجة وثانية وثالثة ورابعة، فلا ملام عليه أن يكون له في العالم الموازي على ذمته قناة وقناتان وثلاثة وأربعة.

دعونا لا نضع البيض كله في سلة واحدة، فبعض المصريين أنشأ قناة محترمة تحتوي على محتوى تستطيع الاستفادة منه، سواء في التعليم، أم الأعمال المهنية والمنزلية، أم حتى الطبخ لمن لا يجيد، لكن البعض الآخر وجد في «يوتيوب» ضالته التي كان ينشدها، الفلوس، التي لطالما كان يحلم بامتلاكها، لكنه لم يجد الفرصة ليتمسك بها كما وُجِدت له في موقع «يوتيوب».

وقد وجد ضالته في موقع «يوتيوب» حتى بدون وجود محتوى ذي قيمة أو يُستنفع به، فقط إذا كنت ممن يُشاهد هؤلاء فأنت دائمًا مدعو لمشاهدة وجبة الغداء اليومية، والتي هي في الأصل محتوى الفيديو، فتشاهدهم وهم يأكلون، وتتأملهم وهم يمضغون الطعام وكأنك تعيش معهم، فصوت مضغ الطعام يخترق آذانك، وكأنك معهم على السفرة، ولكن دون طعام.

وقد تشاهد البعض الآخر وهم في معارك يوتيوبية فضائحية بعضهم لبعض، فالزوج لديه قناة ينتقد فيها زوجته، والزوجة لديها قناة تفضح فيها زوجها، والأب لديه قناة يعاتب فيها أولاده، والأولاد كلٌ منهم لديه قناة يسترضي فيها أبوه أو أمه.

ناهيك عن الكذب والتدليس والمقالب الزائفة والخداع واستخدام الأطفال، والمتاجرة بالمشاعر، وتصوير كل ما يمكن وما لا يمكن.

في سبيل «الفلوس» استغنى بعض الناس عن حيائهم وحرمات بيوتهم التي كانت مقدسة لا يطلع عليها إلا المحارم.

زاد ثقل جيوب هؤلاء الناس، ولكن في المقابل نقصت مروءتهم، وذهبت غيرتهم، وسقطت هيبتهم في نفوسهم أولًا قبل سقوطها في نفوس من حولهم والناس أجمعين.

قديمًا قالوا: تجوع الحرة ولا تأكل بثديها، لكن وللأسف الشديد، قد أكل هؤلاء وشربوا وامتلكوا من السيارات والعقارات بأثدائهم، ولو كانت الرقابة تبيح بأكثر من ذلك لفعلوا دون مبالاة ولا خوف.

أصبح «يوتيوب» لمثل هؤلاء، منصة، لاستعراض الفضائح، وخلق العداوات، وتفريق الشمل بعد أن كان مجتمعًا، وانحدار في الأخلاق، واطلاع على حرمات البيوت من النساء والأطفال، وتكالب على الحياة والعض عليها بالنواجذ، واستعظام الدنيا وهي في الأصل حقيرة ولا تساوي عند الله جناح بعوضة.

فإن كنت من غير هؤلاء فاحمد الله على العافية، واذكر نِعَم الله عليك، واحمده عليها، ودع نعمة «الفلوس» آخر النِعم، وآخر الاحتياجات، فإنك إن وضعتها في بادئ الأمر أصبحت يوتيوبر مصري كهؤلاء، فتذهب بلا عودة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد