قيمة الوطن أنك تجد فيه العدالة، من أي مكان آخر، قيمة الوطن أنك تجد فيه الحب أكثر من أي مكان آخر، وعندما يخلو الوطن من الحماية والعدالة والحب، يصبح المواطن غريبًا.
مصطفى أمين

شكل حادث مقتل الفتاة المغربية «حياة»، شهيدة الهجرة بسواحل شمال المغرب، قرب مدينة تطوان، والتي أضحت حديث مختلف وسائل اﻹعلام العالمية، وخاصة اﻹعلام اﻹسباني بمكتوبه، ومسموعه، ومرئيه الذي عرى الواقع المرير الذي يعيشه شباب المغرب، صدمة كبيرة على الرأي العام المغربي، بمختلف شرائحه ومكوناته.

هذه الفتاة المقتولة «22 سنة»، والطالبة الجامعية بكلية الحقوق، لقيت حتفها على يد البحرية الملكية المغربية، والتي أطلقت النار صوب زورق سريع من نوع فانتوم، والذي كان متوجهًا نحو الضفة الأخرى للقارة العجوز، بالرغم من أن البحرية الملكية استعملت حقها السيادي، بعد إطلاق طلقات تحذيرية صوب القارب ولعدم امتثاله استخدمت الذخيرة الحية في إيقاف القارب، مما أدى إلى وفاة الشابة حياة التي كانت تحلم بتحسين وضعيتها المادية والاقتصادية، وتنقذ عائلتها من براثن الفقر والتهميش «والحكرة».

وبغض النظر عن اﻹشكالات القانونية والحقوقية في استخدام الذخيرة الحية صوب المهاجرين السريين، الذين اختاروا الهجرة قسرًا وليس اختيارًا، وعن مدى الحق السيادي الذي يكفله القانون في استعمال هذا الحق، خاصة في دولة تنعدم فيها شبه شروط العدالة المؤسساتية، وبغض النظر عن التحليلات والتفسيرات الدوغمائية والعقيمة التي تبرر هذا الفعل، فإن السؤال المطروح الذي يجب أن يطرح بإلحاح، لماذا اختار شباب المغرب الهروب والهجرة نحو الخارج بمثقفيه، ومفكريه، وحرفييه، ومن جميع أصناف المجتمع وألوانه، بالرغم من أن المغرب يتوفر على ثروات متنوعة وهائلة، وببنية سكانية فتية، وبإمكانه توفير شروط العيش الكريم بما يحفظ كرامة الإنسان، ولو بأدنى شروطه، فما العائق؟ الجواب ببساطة: أن المغرب على مدى ستين عامًا منذ حصوله على الاستقلال، يدور في حلقة مفرغة من الإصلاحات الاقتصادية، والاجتماعية الموجهة نحو فئة معينة داخل المنظومة البنيوية للنظام السياسي، مستندين على نفاق ميكيافيلي مغناطيسي في تنويم وخلط المفاهيم بالذاكرة الجمعية للمجتمع، وتوهيمه بالتنمية والعدل المؤسساتي، مثل بيت العنكبوت الواهن، الذي من خلاله نرى مدى هشاشة المنظومة التنموية التي فشلت فشلًا ذريعًا في النهوض بالبلد، علما بأن بلدانًا أخرى كان تصنيفها التنموي، والاجتماعي، والاقتصادي جد متأخر لا يصل إلى مستوى المغرب، كتركيا التي قفزت نحو مراحل من السنوات الضوئية في التنمية والتقدم، بالرغم من محيطها الجيوسياسي الملتهب والمعقد.

إن الحكومة بالمغرب من عهد الاستقلال إلى يومنا هذا، تقوده مجموعة من النخب الانتهازية، والدكاكين السياسية التي لا هم لها سوى التكالب على كراسيها، لضمان مصالحها العائلية والاقتصادية، على حساب شعب كامل أو قطيع من أغنام كما ينظرون إليهم، فهم بحاجة لهم للتصويت في الانتخابات والعمل فقط من أجل سد الرمق، ومنه فهي عبودية في أحدث أشكالها، فالخلل بنيوي في مسلكيات ميكانزمات الفكر السياسي المغربي الحديث، خاصة النخبة التي فقدت بوصلتها، فعودة هجرة الشباب والطاقات إلى الخارج وبكثافة غير مسبوقة، وإن اختلفت طرقها وأساليبها، فهو يدل على أن الشباب يفر من بلده كما يفر من الجحيم المستعر، الذي أحرق اﻷمل في نفوسهم، وحولهم إلى شبه أموات، إنه الموت السريري للأمل، إذ أيقن الشباب أن الانتظار لا يجدي نفعًا، وأن الحكومات لم تعد تتقن فن الوعود، وهو دليل آخر على الفشل المرير والمخزي الذي لا يمكن ﻷدوات الإعلام الرسمي المغربي إخفاءه مهما عمدت إلى تبرير، وتجميل، المكياج السياسي والحقوقي للدولة التي تعاني إفلاسًا حقيقيًّا، على مستوى الوعي الجمعي الشبابي المغربي، هذا الإعلام الذي يحاول جاهدًا التوجه إلى تجهيل والى غسل الدفاع اليومية عبر نشراتها الإخبارية، وبرامجها الحوارية، التي تثير الغثيان والاشمئزاز، لتغطية الشمس بالغربال، إلى حد شعورك بالقيء.

إن الفتاة حياة اختارت الهجرة؛ لأنها عرفت أن أبواب المستقبل في وطنها موصدة في وجه من يريد أن يعيش بكرامة؛ فكان الموت لها بالمرصاد، وقتلت بسلاح كان من المفروض أن يكون موجهًا نحو الفساد والمفسدين من النخبة السياسية المغربية المهترئة، التي هربت أموال البلاد وخيراتها نحو الخارج، والتي انتفخت كروشها إلى حد التخمة، وازدادت وطأة البطالة وصعوبة المعيشة في وطن أضحى المرء فيها لاجئًا وغريبًا ببلده.

فالوطن حسب المفكر الكويتي المخضرم عبد الله النفيسي: هو اﻷمن، والخبز، والحرية، والمساواة، وكل ذلك في إطار من المشاركة السياسية، فاﻷمن وحده لا يصنع الانتماء للوطن؛ ﻷن حظيرة الخنازير فيها أمن، والخبز وحده لا يصنع الانتماء للوطن، لأن كل مواخير العالم فيها خبز، والحرية وحدها لا تصنع الانتماء للوطن؛ ﻷن كل أدغال العالم وأحراشه فيها حرية، والمساواة وحدها لا تصنع الانتماء للوطن، ﻷن كل سجون العالم ومعتقلاته فيها مساواة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد