(1)

في مارس، عام 1976 قام الجنرال الأرجنتيني «خورخي رافائيل فيديلا» بانقلاب عسكري بعد أقل من عامين من حكم الرئيسة «إيزابيل بيرون» فيما وصفه بـ(ثورة إعادة التنظيم الوطني) وتطلب هذا التنظيم إغلاق مجلس الشيوخ وعزل أعضاء المحكمة العليا وحظر الأحزاب السياسية والطلابية، ونفي الكثير من أساتذة الجامعات خارج البلاد، واتسعت الدائرة لتشمل الجميع: رؤساء النقابات الذين يطالبون بزيادات بسيطة في أجورهم، الطلاب المشاركين في الاتحادات الطلابية، الصحافة، الراهبات ورجال الدين وحتى علماء النفس والاجتماع باعتبارها وظائف مشبوهه واتسعت الدائرة أكثر لتشمل عائلاتهم وأصدقاءهم وأصدقاء أصدقائهم.

كما أضاف لمسة خاصة به إلى تاريخ الأنظمة الديكتاتورية حين قام بخطف 500 طفل من مواليد معارضيه السياسيين، ومُنحوا بالتبني إلى مسؤولين أو مقربين من النظام لتربيتهم كجنود له، وكانت المرأة الأرجنتينية أكثر من دفع الثمن بعمليات الخطف والاغتصاب الواسعة والحمل القسري لتربية جنود للعسكر موالين له بعد الولادة.

 

بالإضافة إلى عمليات اختطاف وتعذيب واسعة للمعارضين وعائلاتهم والمتعاطفين معهم وعرف العالم للمرة الأولى أسلوب (الإخفاء القسري) في التعامل مع المعارضة، وخلال ثلاثة أعوام من الحكم العسكري، قُتل 30.000 أرجنتيني وكانت قواته تلقي بهم بعد إخضاعهم لعمليات تعذيب من الطائرات والمروحيات في نهر «لابلاتا – La plata» حتى لا يعثر على جثثهم على الإطلاق، فيما أُطلق عليه (الحرب القذرة ) (1)

عام 1978 – أي بعد عامين من الانقلاب العسكري – استضافت الأرجنتين مباريات كأس العام، وعُقدت مباراة نهائي كأس العالم بين الأرجنتين وهولندا بحضور 71.483 متفرج أرجنتيني في ملعب «أنتونيو فيسبوكيو ليبرتي» (2 ) الواقع – للمفارقة – على بُعد عدة أمتار من السجن العمومي (3)، أي أن أصوات الجماهير كانت مختلطة على الأرجح بصرخات المُعذبين في السجن، وتستطيع أن تدقق النظر في المشهد لترى جسد المنطق المشنوق هناك، تمامًا في منتصف المسافة بين الملعب والسجن.

لا يُدهشني هنا قيام جنرال بانقلاب عسكري فالتاريخ مليء بالانقلابات العسكرية، لكن ما يدهشني هم الواحد وسبعون ألف أرجنتيني الذين تناسوا كل ما يحدث في ذاك الوطن على مرأى ومسمع من العالم، يشبه الأمر أن يحترق منزلك وتُقتل عائلتك، ثم تذهب لاحتساء قهوة صباحية على أنغام فيروز! هل يميل العالم – حقًا – إلى أعلى درجات اللامنطقية؟

(أ)

انتهى زمن المقاومة وخفتت جذوة الكفاح في النفوس، ولم يبق من ذكراها سوى مدن وشوارع وجدران ارتبطت في ذاكرة الناس بسنوات الحرب، أمشي في تلك الشوارع القديمة، أتأملُ الجدران والأبواب، أسائلها عني وعنها، عشرُ سنوات مضت منذ آخر لقاء بيننا، أنا والمقاومة، أنا والمدينة، أنا وشجر الفل.. لا أعرف من أفتقد أكثر، ربما لاشيء؛ فقط أفتقد نفسي وشخصي الذي كُنته.

منذ عشر سنوات حين أدركتُ أن الاحتلال لن ينتهي وأن ما أفعله في صفوف المقاومة لن يغير كثيرًا من حقائق الأمور، حينها قررتُ أن أميل للاستقرار والحصول على وظيفة في الحكومة الجديدة، وتطلب ذلك أن أبتعد عن كل ما يربطني بالمقاومة وبأصدقائي الذين يُعدهم الاحتلال «مُشاغبين»، وفعلت.

ثم هأنذا أعود إليها، رجلٌ خمسيني يبحث عن ضالة لا يعرفها، لكنه لا يطيق عبثية الحياة في غيابها، يبحث عن معنى لما حدث، يبحث في كنف الأماكن عن قصته، ويفاجئه أن المدينة تُنكره، يعرفها ولا تعرفه، وأن أشجار الفل ما عادت تصافحه برائحتها ولا أزهارها كسابق عهدها.

(2) 

 

 

في منتصف الظهيرة، يتوسط ذاك الفتى المُتحمس جموع الطلاب المُتحمسين أيضًا، يحتل موقعًا مرتفعًا عنهم، يضم أصابعه حول فمه على شكل دائرة، يرفع رأسه للسماء ثم يُطلق هتافه: «علّي في سور السجن وعلّي.. بكرة الثورة تشيل ما تخلي». تسري الكلمات كالكهرباء بين الطلبة، يعلو صوتهم مُكررين، يتقافزون أحيانًا لفرط الحماس. يكرر الفتى قوله ويكرر الطلاب بحماس أعلى، بين الجماهير تذوب قدرة العقل على تحليل الأمور، لذا يبدو لي أن أحدًا لم يفكر في ماهية ما يُقال، هل ارتفاع أسوار السجن يعجل قدوم الثورات؟ هل فقء عينيك يزيد من قدرتك على الرؤية؟

ها نحن ذا وقد حققت الأيام ما أقسمنا عليها، ارتفعت أسوار السجون وتضاعفت أعداد ساكنيها، هل زادنا هذا شيئًا سوى شعور كثيف بالارتباك والصدمة، الصدمة التي تُعرفها الكاتبة «ناعومي كلاين» : «حالة الصدمة هي ما يحدث لنا حين نفقد تسلسل الأحداث، حين نفقد قصتنا فتُصبح أذهاننا أشبه بصفحة بيضاء قابلة لغرس أي فكرة جديدة فيها». (3)

(ب)

يُقلب صديقي النظر في وجهي ثم يعود ليتأمل منزله كأنه يراه للمرة الأولى، وعلى وجهه يقفز سؤاله «ما الذي جاء بك يا هنا؟»، بادرته:

– كنت صديقي المقرب، ومؤنسي الذي لم أعرف وحشة الدنيا إلا حين باعدنا الزمن، لذا حَدثتني نفسي أن عندك أجد بعضي وما فقدته من قصتي.

– ولماذا يُهمك – الآن – أن تجد بعضك هذا؟

–  لأني تعبت، تعبتُ من كوني فرع قُطع من شجرة فلا هو أثمر ولا هو نما ليصبح شجرة، هو فقط عود خشب، يقول ميلان كونديرا في أحد كتبه: «من يرغب في التذكر لا ينبغي أن يظل في مكان واحد وينتظر أن تأتيه الذاكرة من تلقاء نفسها، ولكن عليه أن يسعى للوصول للذكريات التي تشتت في العالم الشاسع». أظنه على حق، منذ شهرين وأنا أسير يوميًا في شوارع المدينة القديمة باحثًا عني!

– وماذا وجدت هناك؟

– وجدتُ أن المُدن كالبشر، حين تغيب عنها طويلًا ثم تعود، تُنكرك أول الأمر، لكن ما إن تبدأ في استحضار ذكرى حقيقية بينكما، يذوب الجليد وتعرفك! أتعرف، مازالت الأزقة فيها تحمل أسماء الشهداء المحفورة فيها، وشعارات المقاومة وشجن الأسرى.

– لأن المدن لا تعتاد الاحتلال، ولا تعتاد الظلم إذا تكرر، البشر فقط يتأقلمون ويعتادون، ثم ينسون، ما الفرق بين أن تعتاد شيئًا وأن تنساه؟

– لكن شجر الفل على حواف المدينة لم يتذكرني! طوال الفترة الماضية لم يعرفني، ضن عليّ برائحته وزهره، بدا شاحبًا أو مرتبكًا، أرأيت فُلا شاحبًا من قبل!

ظل شجر الفل المُرتبك يراودني طوال أيامي، حتى تذكرتُ شيئًا، ذاك الفتى صاحب الفل، صديقنا الذي كان يُرابط تحت شجرة الفل كل صباح، في انتظار فتاة تمُر بها، فقط ليلقي تحية الصباح ويتمنى لها يومًا طيبًا، بعد حين أصبحت تحية الصباح حديثًا صباحيًا طويلًا بينهما، تحت شجرة الفُل، كان يدعي أن أحدًا لا يعرف رائحة الفُل كما يعرفها هو.

(3)

الزمن يمر والعالم يتغير ويضيع تسلسل الأحداث بين كل هذا الصخب، ومتابعة الأحداث المستمرة تؤدي إلى الارتباك، الارتباك الذي يدفعك إلى متابعة الأحداث، الأحداث تدور بسرعة وتؤدي بك إلى مزيد من الارتباك، دائرة مغلقة لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد، ولا يقوى على كسرها سوى وعي بطبائع الأمور وسننها، وهو ما تصفه «كلاين» : «الصدمة حالة مؤقتة وأفضل طريقة لمقاومتها والتغلب عليها هي أن تبقى واعيًا بما يحدث لك ولماذا يحدث لك».

هذا الوعي يتطلب قراءة هادئة للأحداث وربطها بالتاريخ، وبدون هذه الذاكرة الواعية تصبح محاولات الفهم صعبة إن لم تكن مستحيلة، وهذه الذاكرة التي أتحدث عنها تختلف بالضرورة عن حالات النوستالجيا والبكاء وندب حظك لأنك «ولدت في فترة خريف العالم» لأن قليلًا من قراءة الماضي تخبرك أن هذا الخريف يتكرر باستمرار من حين لآخر ومن مكان لآخر وأن «نضال الإنسان ضد السلطة هو نضال الذاكرة ضد النسيان».

(ج)

يقول صديقي مُتحفزًا وباسمًا:

– «ذاك الفتى صاحب الفل، كنا نحب قصته، لأنها أزهرت في سنوات الحرب والحرب تُقفر النفوس، تغدو الأيام فيها كالصحراء لا ظل فيها ولا ماء، كان حبه الهادئ هذا كالسُقيا، أفرأيت أحوج من أهل الصحراء للماء! كنا نعده نبوءة جميلة تخبرنا أن هذي الصحراء ستزول يومًا».

ثم أردف في شيء من الجد: «أتذكُر..هل أزهر الفُل؟»

– هاجَرت صاحبة الُفل مع عائلتها، أذكر هذا، وفي لقاء أخير تبادلا شتلات فُل لتحفظ لهما الحق في لقاء آخر حين يزهر الفُل، لكن هل أزهر الفل؟ تُلح عليّ هذه القصة كل صباح، يملأني فضولٌ طفولي لأن أعرف ما جرى بصاحب الفُل هذا، وهل أزهر الفُل وجاد الزمن عليه بلقاء آخر!

عند هذا الحد، بدى لي أن صديقي مهموم لسبب أجهله، وأن حديثًا آخر يدور في رأسه ويأبى الإفصاح عنه، نظرتُ إليه في إصرار لأستنطقه، فقال:

–  أنت – حقًا – لا تتذكر! يا رحمة الله بالإنسان الضعيف، أنسيت قصتك يا هذا أم محوتها إلى غير رجعة، أينسى الإنسان لأن تعاقب الأحداث يُلهيه عن نفسه أم ينسى لأنه أضعف من أن يحتمل تبعات التذكر؟! يا صاحبي، شجر الفُل لم يكن مرتبكًا ولكن فؤادك كان كذلك، لأنك صاحب الفل الذي أذهله الزمن عن غرسه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) الحرب القذرة في الأرجنتين - منظمة الأمن العالمي
(2)
(3) ناعومي كلاين، كتاب « عقيدة الصدمة – The shock Doctrine »
عرض التعليقات
تحميل المزيد