لن نكون في منتصف الطريق، بل في نهاية مساره المظلم، عندما يصل بنا الحال لنجد أنفسنا ونحن نتلقّى بالتصفيق الحار من يسعى عَلنا وجهارًا إلى أن يقذف بنا داخل دهاليز حالكة العتمة، لا نستطيع فيها التمييز ما بين الأشياء لتختلط علينا فلا نقوى على التفريق بين ما هو نظيف، وما أصابه العفن؛ لنكون أشبه برعايا زمن كانت قد شطبته الذاكرة البشرية، منذ قرون بعيدة، بعد أن تجاوزت عصورها الوسطى حيث التقديس كان قانونًا مسلطًا على الناس، ومن خلاله تنتهك الحرية الإنسانية.

هذا ما تشي به أيامنا العراقية المؤثثة بالأفاقين والدجالين وشهود الزور من محترفي السياسة والدين والوطنية.

في الأيام القريبة القادمة سيتم إقرار قانون يُشرعِن الجريمة، ويمنحها صكًا على بياض، تولى طرحه نواب عن كتلة المواطن البرلمانية والمنضوية تحت عباءة التحالف الوطني في البرلمان العراقي، ويهدف مشروع هذا القرار إلى توفير الحماية والحصانة للحشد الشعبي من أية مساءلة قانونية قد يتعرض لها، وكانت النائبة عن كتلة المواطن «حمدية الحسيني» قد أعلنت في بيان صحفي يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي أنه «تم رفع مقترح قانون إلى البرلمان وقع عليه أكثر من 70 نائبًا لوضع الإطار القانوني لحماية حقوق الحشد الشعبي».

وفيما لو أقرَّ هذا القانون وتمت المصادقة عليه، ستصبح الأبواب مشرعة لارتكاب المزيد من الجرائم والانتهاكات (الطائفية) من قبل عناصر معينة تنتمي إلى الحشد الشعبي، دون خشية من عقاب أو سلطة؛ لأنها ستكون محمية ومصانة بهذا القانون الذي يشرعن ما قد يُرتكب من انتهاكات وتجاوزات تصدر عن إفراد وجماعات ينتمون لفصائل الحشد، وسيبدد هذا القانون كل الدماء الطاهرة التي أريقت من قبل الكثير من أبناء العراق الذين انتموا إلى الحشد ليدافعوا عن وجود مستقبل العراق.

يذكر بهذا الصدد أن عدد الفصائل المنضوية تحت ما يعرف بالحشد الشعبي قد وصل إلى 81 ميليشيا، وكان فصيل «مسلم بن عقيل» أحدث ما تم الإعلان عن تشكيله في منتصف شهر أغسطس (آب) 2016، والمفاجأة هنا أن من يقود الفصيل الجديد محامية شابة اسمها «إيمان السويعدي»، وهي بذلك ستكون أول امرأة في التاريخ العراقي الحديث تقود ميليشيا مسلحة.

ليس هنالك ما يدعو إلى الغرابة أو الدهشة، عندما نحصر الهدف من طرح مثل هذا القرار في إطار السعي إلى تحقيق ضربة استباقية من قبل التحالف الوطني الحاكم لقطع الطريق أمام أية جهة  تحاول أن تقيم دعوى قضائية أو تفتح ملف جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها ــ أو سترتكبها ــ عناصر تابعة للحشد، حيث سبق أن  ارتكبت جرائم طائفية بحق مدنيين من قبل فصائل محسوبة على الحشد بحجة محاربة العناصر الإرهابية في المحافظات العراقية ذات الأغلبية العربية السنية مثل «ديالى، وصلاح الدين، والأنبار»، خلال الأعوام القليلة الماضية، أثناء عمليات تحريرها من سلطة «تنظيم دولة الخلافة» (داعش) الإرهابي.

لعل أحدث تلك الجرائم وأكثرها دموية كانت قد ارتكبت بحق عشيرة «المحامدة» في ناحية الصقلاوية ( 10كم شمال الفلوجة) في مطلع شهر يونيو (حزيران) 2016 أثناء عملية تحرير محافظة الأنبار، حيث أقدمت عناصر من ميليشيا الحشد على إعدام أكثر من 50 مدنيًا كانوا يحملون رايات بيضاء، وهم يتجهون إلى ممرات آمنة سبق أن حددتها السلطات الحكومية والجيش العراقي لخروج المدنيين المحاصرين في المدينة مع عوائلهم؛ نتيجة للقصف المتبادل، واشتداد المعارك الدائرة ما بين الجيش العراقي وتنظيم داعش، إلاّ أنهم، وبدلًا من أن يتم استقبالهم ورعايتهم تم اعتقالهم والتنكيل بهم بطرق وحشية، بعد أن تم عزلهم عن النساء والأطفال الصغار. وبالإضافة إلى أولئك الذين نُفِّذ فيهم حكم الإعدام تم اختطاف أكثر من 610 شخص اقتيدوا مكبلين إلى جهة مجهولة، ولم يعرف مصيرهم حتى الآن، بالرغم من المطالبات الكثيرة التي أطلقها نواب من محافظة الأنبار، إضافة إلى البيان الذي كانت قد أصدرته عشيرة المحامدة بعد أيام معدودة على تلك الحادثة؛ لأن جميع المعدومين والمختطفين ينتمون إليها. وما يفسر البعد الطائفي للجريمة أن أغلب شباب ورجال هذه العشيرة كانوا يقاتلون إلى جانب الجيش العراقي ضد تنظيم (داعش)!

إضافة إلى ذلك، فقد أشارت مصادر رسمية من داخل محافظة الأنبار إلى اختفاء أكثر من3000  مدني من سكانها، بعد أن تم اختطافهم في نهاية العام2015  عند معبر سيطرة الرزازة (50  كم جنوب الفلوجة) كانوا قد وصلوا إليه بعد أن نجحوا في الخروج من المدينة والإفلات من قبضة تنظيم داعش الذي كان يسيطر عليها، والمعبر المذكور كان تحت إمرة إحدى الميليشيات المعروفة والتابعة للحشد الشعبي.

آخر ما يمكن الاقتناع به أن يكون لهذا القرار دواعي وطنية تستدعي من الحكومة العراقية والأحزاب التي تتشكل منها الإقدام على إصدار مثل هذا القرار الذي سيفتح جرحًا عميقًا في خاصرة العراقيين جميعًا، دون استثناء، وليس من السهولة أن يندمل.

ومهما حاولنا أن نجد له من المسوغات التي قد تمنحه المشروعية من باب الحفاظ على الجهد العسكري في مرحلة مواجهة قوى الإرهاب، فلن نفلح في إقناع أنفسنا قبل أن نقنع الآخرين.

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نصل إلى مرحلة نُشرعِنُ فيها القتل المجاني ونمنح القتلة وسامًا وطنيًا يعلق على صدورهم؛ فقط لأنهم ينتمون إلى مؤسسة أمنية أو عسكرية رسمية أو حتى دينية، ومن الطبيعي جدًًا أن يكون هذا القرار بمثابة حجة دامغة سيرميها تنظيم داعش بوجه كل من يعترض على جرائمه  التي يرتكبها في حق الآخرين الذين ينتمون إلى غير المذهب الذي يدعي انتماءه له، وليبرر به جرائمه.

إن  مشروع هذا القرار يمكن أن يكون أرفع وسام سيحظى به المجرمون والقتلة ــ ومن كل الأطراف ــ وبموجبه سنقف جميعًا نحن المدنيين العزل، ومن كل الطوائف والأديان والقوميات، وأيادينا خلف ظهورنا؛ لنتلقى منهم الصفعات والركلات، دون أن نتمكن من رفع حواجبنا، وليس أيادينا.

إن الذي فكر في شرعنة هذا القرار، وسوّق له، لا أشك في أنه يحمل في داخله نوايا شريرة يريد من خلالها أن يأخذنا مع البلاد إلى مستوى آخر من العنف والجريمة، يفوق ما كنا قد شهدناه في الأعوام الماضية من تصفيات جسدية وتفجيرات ومقابر جماعية.

وإذا لم يكن يحمل مثل هذه النوايا، فإلى أية طريق سننزلق إذن من خلاله، بعد أن وصلنا إلى مفترق طرق موحش لا نعرف فيه أي اتجاه نختار للخروج من محنتنا.

العراقيون تُسرق أعمارهم وأحلامهم في مطحنة أمراء الحرب، وأولئك الذين يجلسون تحت قبة البرلمان، ويتاجرون بالوطن، مع أن أيادي الكثير منهم  ليست بيضاء أبدًا، ودائمًا كانت مشرعة لنهب ثروات البلاد وسرقة أحلام الأجيال، مثل هؤلاء لم  يتبق لديهم سوى أن يجعلوا من الجريمة قانونًا، ومن القانون جريمة، عندما يتمكنون من تمرير هذا القانون؛ ليصبح بالتالي المجرم الذي يتفنن في قتل المدنيين وحرقهم ــ فقط لأنهم من غير طائفته ــ  كائنًا مقدسًا لايجرؤ أحد على أن يرفع نظره في وجهه.

فهل علينا أن نستعد لمرحلة قادمة سنصبح فيها «خرسان وطرشان وعميان» ما أن  نصادف في طريقنا جريمة يرتكبها عنصر ميلشياوي بحق مواطن أعزل، خاصة ونحن على اأبواب مدينة الموصل التي ينتظر أبناؤها ساعة التحرير لحظة بعد لحظة.

فهل علينا أن ندفن رؤوسنا في الرمال، فيما لو تم التعدي على أعراضنا من قبل عناصر مسلحة؛ لمجرد أنها تنتمي لفصائل مشمولة بهذا القانون.

أي شعب حر يرتضي لنفسه أن يقبل صاغرًا بمثل هذا القرار، وكيف يمكن أن تستثار حمية هذا الشعب ووطنيته لينتفض دفاعًا عن وطنه عندما يتعرض إلى عدوان خارجي.

الشعب الذي يقبل أن يُسحق رأسه بواسطة عنصر مليشياوي (قدَّسه قانون) سيُقبِّلُ حذاء الغازي والإرهابي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد