«اتفاقية سلام تعقدها إسرائيل مع جميع دول العالم العربي وعودة جميع أراضيه».

قد تكون تلك هي أحد العناوين البارزة في الصحف والبرامج في أحد الأيام، ولكن هل يمكن فعلًا أن يكون ذلك الخبر صحيحًا أم أنه فقط قد يكون أسطورة من الأساطير التي تنشرها وسائل الإعلام المختلفة يوميًّا، والتي لم يعد لها أية مصداقية لدى المتابعين؟

لقد أصبحت السياسة التي يتبعها الإعلام على مدار الفترات الزمنية المتعاقبة هي قلب الحقائق وتزييفها على مدار الوقت، وظهر ذلك بوضوح خلال ثورة يناير وفي كثير من القضايا التي أعقبت الثورة وتصوير المشاركين بها أنهم مثيرون للشغب، وأنهم حفنة ضالة من الشباب وأن بهم عناصر محرضة متفقة مع جهات أجنبية، وتأخذ تمويلًا خارجيًّا لزلزلة الأمن والاستقرار، وروجوا لتلك الأوهام التي أقنعوا بها الرأي العام ليساندهم في قراراتهم وأفعالهم.

فمنذ اليوم الأول لطالب كلية الإعلام دائمًا ما يسمع الطالب المصطلحات الرنانة، والتي تتحدث عن تنظيم العمل في المجال الإعلامي، فنجد مثلًا مصطلح الموضوعية والحيادية والذي يجب على الإعلامي أن ينقل الأحداث والأخبار، كما هي ودون إبداء لرأيه الخاص حتى لا يؤثر في آراء الجمهور المتلقي وفكره، ونشر الحقائق كما هي بدون تعديل بها.

فالإعلام الحقيقي هو أن يتم إعلام وإخبار الطرف الآخر وهو الجمهور بالحقيقة والخبر كما هو، وكما حدث دون تغيير أو تحريف، كما تعلمنا على أيد نخبة من الأساتذة الكبار الذين يدرسون المواد الإعلامية بكلياتها المختلفة أو حتى من خلال الكتب التي يتم تدريسها لطلبة الإعلام والتي عادة ما نجدها بعيدة كل البعد عن الواقع.

والمؤسف أنها أصبحت ظاهرةً واضحةً في جميع وسائل الإعلام، بداية من الصحافة وما ينشر بها من أخبار مغلوطة بعيدة عن الواقع، والتي لا تمت له بصلة، بل أحيانـًا يتم تغيير الخبر وتعديله من جذوره ليلائم مصلحة ووجهة نظر رئيس تحرير الجريدة أو المجلة؛ لزيادة مبيعات الجريدة، أو تنفيذًا لسياسة الجهات العليا وما تراه مناسبًا لأن يعرفه الجمهور المتابع حتى ولو كان ذلك على حساب خلق وعي مزيف لما يحيط بنا من أحداث، ومغيب تمامًا عن الحقيقة والواقع المحيط بنا فيما يعرف بالصحافة الصفراء التي تعمل على نشر الأكاذيب وإشاعة الفضائح، وقد انتقل هذا التلوث إلى جميع وسائل الإعلام مرورًا بالراديو والتليفزيون والذي يبث إلى قاعدة عريضة من الجمهور، والذي يشكل وعيًا مزيفـًا من خلال نشر معلومات مقننة، حيث إنه إن تم نشر المعلومة أو الخبر يتم نشره ناقصًا وبأسلوب مغاير للحقيقة ليصل للمتلقي مختلفًا تمامًا، فمثلًا في البرامج الحوارية يقوم المحاور بتوجيه الضيف للموضوع من زاوية محددة دون الخوض في تفاصيل الموضوع والتركيز على جزئية معينة فقط، ولا يسمح للضيف أن يحيد عن تلك النقطة، وبالتالي لا تصل جميع أجزاء الموضوع للمتلقي طبقـًا وتنفيذًا لسياسة المؤسسة الإعلامية التي يعمل بها وتسخيرها لمصالح عليا، بغض النظر عن الحقيقة التي يجب أن تظهر.

وفي الآونة الأخيرة أصبح المال هو المتحكم بشكل أساسي في صناعة الإعلام، وذلك من خلال امتلاك كثير من رجال الأعمال لوسائل الإعلام المختلفة سواء المقروءة أو المسموعة أو المرئية فالقدرة في الحصول على المعلومات ونشرها هي المسيطرة على سائر الأعمال الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية وإن تعارضت الحقيقة مع مصالحهم العليا تم قلب الحقيقة وتحويلها إلى الاتجاه الذي يساير مصالحهم ويخدعون به الرأي العام.

فالإعلام لما له من تأثير أضحى قادرًا على خلق التفاهم، والاحترام بين الشعوب، وهو في الوقت نفسه قادر على خلق الحروب، وهو القادر أيضًا على ترسيخ القيم، والمبادئ، والأخلاق أو تدميرها وتدمير جيل كامل، نعم يستطيع ترسيخ العلاقات بين مختلف الشعوب أو تدميرها كما حدث بين مصر والجزائر أثناء المباراة التي أقيمت في السودان في نوفمبر 2009، وهي المباراة الفاصلة للتأهل لكأس العالم 2010؛ حيث تمكنت الجزائر من الفوز على مصر، وعقب المباراة هاجم الإعلام المصري الشعب الجزائري بشراسة، واتهم الجمهور الجزائري أنه قد قام بالاعتداء على الجمهور المصري في السودان، وذلك نتيجة لبعض الاضطرابات التي حدثت قبل المباراة بين الجانبين.

الإعلام والعمل على دعم ثقافة العنف ونشرها

وذلك من خلال فرض الرأي الواحد، ومصادرة الحقائق، وتخوين الآخرين، ورفض الحوار، واستخدام الألفاظ غير اللائقة، والصراع والمشاحنات اللفظية وأحيانا الجسدية بما يناقض آداب الحوار.

بالطبع هذا بالإضافة إلى استخدام وسائل الإعلام في الصراعات السياسية المختلفة على مدار سنوات متعددة وتلميع فئات وأحزاب سياسية بعينها على حساب الأطراف الأخرى التي شملت أيضًا الثورة المصرية وما تبع ذلك من أحداث عنف كثيرة؛ مما أدى إلى إراقة الكثير من الدماء ووقوع الكثير من الضحايا، والعمل على تعتيم كل الأحداث التي مرت بها البلاد.

لم يقتصر نشر ثقافة العنف على البرامج فقط، بل امتد أيضًا لتشجيع الشباب على العنف من خلال الأعمال الفنية المختلفة ذات الطابع الدموي التي تكون بمثابة قدوة للشباب لتقليد العنف؛ فيكون الحل للبطل عندما تواجهه مشكلة ما في العمل الفني الذي يؤدي الدور به هو الاعتداء على الطرف الآخر، إما بالضرب، وإما بالسباب ونشر ألفاظ غير لائقة، وإما بالقتل أحيانًا ونشر المشاهد التي تحرض على العنف.

كذلك نجد أن الإعلام يعمل على غرس قيم أخلاقية مغايرة لقيمنا ومبادئنا.

وهذا نموذج لنشر الإعلام للحقائق المزيفة

تشويه وسائل الإعلام لصورة الإسلام والمسلمين

وكثيرًا ما يتخذ كثيرون الإعلام الغربي قدوةً لهم في المهنية وتناوله للقضايا المختلفة على مستوى العالم، لكن عندما لا تأتي قضية ما على غير هوى الجانب الغربي أو تمس مصالحه العليا من قريب أو بعيد؛ فإنه يعكس الحقائق تمامًا وبحرفية شديدة، والمشكلة أن بعضهم يصدق تلك الأكاذيب، بل يروج لها أحيانًا دون أن يعلم أنها أكاذيب، وأحيانًا أخرى يعلم ويروج لها تبعًا لمصالحه.

وهناك كثير من القضايا العربية التي لم تساير الجانب الغربي، فاختلق لها السيناريو الذي يصدقه العالم والمنظمات الدولية؛ حتى يفعل ما يحلو له ويحول حياة كثيرين لجحيم لا طائل له لبناء تصورات تخدم مصالحه في المنطقة العربية.

فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حرص الإعلام في الدول المختلفة على تشويه صورة الإسلام والمسلمين حتى تكونت صورة سيئة عن العالم الإسلامي بوجه عام، والاستخفاف بمبادئ الدين الإسلامي وتعاليمه وبالمسلمين.

أصبح تناول الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية وجبة دسمة لهم، وربط العمل الإرهابي بالإسلام والمسلمين والحديث عن طالبان ثم الحديث مؤخرًا عن داعش، والجماعات الإرهابية وانتقل ذلك تباعًا إلى وسائل الإعلام العربية التي أصبحت تهاجم الإسلاميين والدعاة سواء في البرامج التليفزيونية أم حتى الأعمال الدرامية من مسلسلات وأفلام، تنقل صورة سيئة عن الإسلام والمسلمين لا تمت للواقع بصلة ونقله بصورة المتشدد المتعصب للدين الذى يميل للعنف.

وهذه إحدى نماذج تشويه الإعلام لصورة الإسلام:

وهناك أيضًا قضية حرب العراق واختلاق الأكاذيب التي تصور للعالم أن صدام حسين يمتلك سلاحًا نوويًّا يهدد العالم أجمع، تلك الحرب التي حطمت دولة بأكملها بل حضارة تكونت على مدار آلاف السنين، والذي ثبت بعد ذلك أن تلك الأكاذيب لم يكن لها أي أساس من الصحة، بل كان طمعًا في ثروات العراق وكنوزه والاستيلاء على ثرواته من البترول وغيره، واحتلال أرض عربية جديدة يستطيعون من خلالها السيطرة والتحكم في العالم، وخلق اتجاهات مغايرة للواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإعلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد