يقول علماء النفس ان المظلوم نتيجة القهر والكبت وطول الزمن يتماهى مع ظالمه فيبدأ بتخيل نفسه مكانه، ويتخيل كيف سيتصرف وينتقم من الظالم وأعوانه لو وصل هو إلى السلطة، وبدون أن يشعر يبدأ بتقمص شخصية هذا الظالم ويحب هذه الشخصية لكن بمنظوره هو.

هكذا يزعم علماء النفس، وفي كلامهم الكثير من الحقيقة، فالأيام أظهرت لنا عجائب لم نكن نتصور أن تحدث لقلة خبرتنا بالحياة وتقلباتها. فالمظلوم يبقى يشكو من الظلم والظالمين ويدّعي أنه لو كان في ذلك المنصب لعدل بين الناس ولأصبح يقتدي بأمير المؤمنين عمر في العدل وبأمير المؤمنين علي في إظهار الحق والتمسك به.

حتى إذا تغيرت الدنيا على المظلوم والظالم وتبدلت الأدوار (وهذا حال الدنيا) سترى من هذا المظلوم نفسه ما لم تكن تتوقع من تكرار نفس الظلم الذي كان يفعله سلفه لكن بخسة ولؤم أكثر، وستجد أنه يبرر هذا السلوك السيء لنفسه بأنه يشيع العدالة وينتقم من الظلمة بأفعاله، حتى لو أدى ذلك إلى مظالم جديدة أكثر وأقسى مما كانت على عهد سلفه.

ومن الواضح أمام الجميع أن تغيير الحكومات والقادة الفاسدين في بلادنا منذ بداية القرن الواحد والعشرين لم يجلب الخير لهذه البلاد كما كنا نحلم ومعنا الملايين من المضطهدين، بل إن الظلم والقسوة تجاه المخالف، والسرقة ونهب خيرات البلاد كلها ازدادت بوتيرة متصاعدة بحيث لم يعد الشعب يستطيع مجاراتها ولا حتى رصدها.

وكل القادة الجدد هم من (المظلومين) سابقًا، أساؤوا إلى تاريخهم وشعوبهم إلى حد أن الشعوب بدأت تترحم على الطغاة القدماء وتتحسر على أيامهم.

حلقة الشر هذه بدأت بالنمو في بلادنا منذ بدأ عهد الثورات والاحتلال قبل أكثر من مائة عام، مظلوم يرث الظالم فيصبح مثله وزيادة فيثور عليه مظلوم جديد فإذا جلس على كرسي الحكم أصبح أشد لؤمًا من سابقه. وهكذا تلتوي الحلقة وتتسع.

وهكذا تتيه الشعوب وتضيع البلاد وتتمزق ويبدأ الناس نتيجة اليأس بالبحث عن مخلص ولو كان محتلًا جديدًا غاشمًا.

والسؤال الآن هل ستظهر نخبة من العقلاء يكسرون حلقة الشر هذه؟

لقد عشنا في حلم لعشرات السنين ونحن نعتقد أن هناك نخبة أو نخب تتمثل في حركات وأحزاب وهيئات تسعى لنشر الفضيلة والعدل في الأرض وتعدُ الناس بالخير والسلام الذي تحمله لهم، وامتلأت المكتبات بالكتب التي تبشر بهذا المستقبل المشرق الذي ينتظر شعوبنا خاصة وكل شعوب الأرض عامة إذا وصلت هذه النخب إلى السلطة وحكمت.

فلما جاءت ساعة الحقيقة ووصل أفراد من هذه النخب إلى السلطة فعلًا رؤساء ووزراء ومديرون وقادة أحزاب ومن كل الطوائف والملل والنحل في العراق وغيره من الدول ظهر لنا جليًا أنهم يختلفون عمن سبقهم فقط بأسمائهم التي سماهم بها أبواهم، أما الأفعال فهي هي أو أشد.

قالوا إن الظالم يقيد حرية الكلمة، فلما جاؤوا قتلوا الكلمة التي كانت مقيدة. قالوا إن سجون الظالم مليئة، فلما جاؤوا أفرغوها إلى المقابر. قالوا إن الظالم كافر، فلما جاؤوا قادوا الشعب إلى الكفر بأعمالهم الدنيئة. قالوا إن الظالم يسرق خيرات البلد، فلما جاؤوا تقاسموا المسروقات وقسموا البلد نفسه. قالوا إن الظالم عميل لليهود، فلما جاؤوا لم يدعوا ملة ولا نحلة، ولا دولة كبيرة أو صغيرة إلا وتفننوا في العمالة لها.

وتنامت حلقة الشر بين الجميع، فلم تعد مبادئ الحرية تردع أصحابها من الليبراليين والعلمانيين الذين كانوا ينادون بها، ولم يعد الإسلام يردع حملته من الإسلاميين بكل أصنافهم والذين كانوا يبشرون به، ولم تعد الثورية والوطنية والقومية تردع أصحابها الذين كانوا يصدّعون بها رأسنا صباح مساء.

ومرة أخرى نسأل: لماذا يتحول المظلوم إلى ظالم إذا وصل إلى السلطة، مهما كانت صغيرة ولو مجرد مدير لدائرة منسية؟

نعلم من التاريخ أن الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وأتباعهم الأقربين كانوا مظلومين، وعندما نصرهم الله على من ظلمهم لم يتحولوا إلى طغاة بل أشاعوا العدل والخير بين البشر. فلمَ تغيب هذه المعادلة في عصرنا النكد هذا؟

قطعًا كانت لهم مشاعر وأحاسيس كما لنا، يغضبون ويثورون، ولهم أحلام وآمال وتطلعات، ولهم عوائل ويسعون إلى أرزاقهم، ولم يكونوا ملائكة!

فهل كانت صحبتهم للنبوة لها دور؟ هل كان حضور اليوم الآخر في عقولهم وقلوبهم مانعًا لهم من الانحراف؟ هل لأنهم كانوا صادقين مع أنفسهم فلا يظهرون للناس غير ما يبطنون؟ هل كان فهمهم أكبر وأوضح وأدق للدين والدنيا؟ هل كان عمل الخير هو همهم وليس عمل (شعارات) الخير؟ هل كانوا سادة أنفسهم حقًا ولم يكونوا عبيدًا ولو من الباطن لشخص أو منصب أو مال؟ هل كانوا مقتنعين فعلًا بالفكرة التي حملوها وضحوا من أجلها بغير مقابل؟

أسئلة كثيرة يجب أن نسألها لأنفسنا ونشيعها بين النخب ونبحث عن الجواب الصحيح لها، كي نعلم من أين أُتينا ولمَ فشلت النخب في بلادنا، وأفسدت ولم تصلح؟

فلعل الله تعالى يضع الخير والسداد في فئة تكسر حلقة الشر وتقود البلاد والعباد إلى الخير. وأول الطريق هو السعي الجاد واليقين بأن: الفهم هو الحل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء
عرض التعليقات
تحميل المزيد