لقد عرّفت دساتيرُ العالم الجيوشَ بأنها المؤسسة التي تحفظ أمن الوطن واستقلال أراضيه وتذود عنه الأعداء وتحفظ أمن وكرامة الشعب، لقد بقيت هذه الصورة الجميلة في أذهاننا كعرب إلى ما قبل الربيع العربي ثم ما برح أن أزيل اللثام وتكشف وجه الجيوش القبيح الذي جعلها العدو الأول والأكبر لأبناء الوطن العربي.

عقيدة الجيوش العربية وتحول أهدافها

لقد تشكلت الجيوش العربية في خضم أحداث فاصلة في تاريخ الأمة العربية خاصة الصراع العربي الإسرائيلي الذي بنت عليه هذه الجيوش شرعيتها باعتبارها حامية للأوطان ومدافعة عنها، أثناء وما بعد الحرب التي بدا واضحًا ضعف التنظيم وقلة الإعداد والفساد المالي والإداري في الجيوش، وما بعد مرحلة السلام مع إسرائيل أيضا والتي وضعت فيها الجيوش أسلحتها ورجع الجنود إلى ثكناتهم بدأت تتشكل مرحلة جديدة في تاريخ العرب تتميز باحتكار موارد الدول لصالح شخص أو حزب يستأثرون بمقدرات الوطن وبغطاء محاربة العدو الأول للعرب إسرائيل، وبغطاء رجال الدين المتغير الأكثر تأثيرا في المعادلة العربية، لقد تشكلت أنظمة موازية وكيانات داخل الدولة قائمة على حماية مصالح الرؤساء وحواشيهم والذي كان أكثرهم من الجنرالات، لقد تميزت هذه المرحلة بتغييب الفكر القومي والبعد الوطني وتكريس فكر السلطة الواحدة والرئيس الأوحد فأصبحت الجيوش تعمل لصالح شخص أو كيان وليس لصالح دولة وشعب.

الصدام مع الشعوب

في ظل الأحداث المتسارعة التي مرت بها منطقتنا العربية من حرب الخليج الأولى إلى الاحتلال الأمريكي للعراق والحروب الأهلية في السودان واليمن ولبنان وغيرها من الأحداث التي جعلت المنطقة العربية وشعوبها تعيش حالة اقتصادية خانقة وفي ظل العولمة والانفجار التقني الذي سهل التواصل ما بين الأشخاص والانفتاح على الديموقراطيات الغربية رأينا الوطن العربي ينفجر في وجه الأنظمة باعتبارها سبب الأزمات الاقتصادية التي تقبع تحتها عشرات المشكلات الأخرى، هنا رأينا الجيوش تقف بقوة إلى جانب الأنظمة ضد الشعوب وتقمعها بأبشع أنواع العنف مخمدة ثورات قامت للمطالبة بأبسط متطلبات الحياة، لقد ظنت الشعوب نفسها أمام رؤساء يمثلون أنفسهم إلا أنها سرعان ما اكتشفت أن هؤلاء الرؤساء تحميهم مؤسسة عسكرية هي وصية على الفساد واستغلال الثورات، إن الجيش في معادلة اليوم يشكل أداة البطش الأكثر فاعلية والعصا الغليظة على أبناء الوطن التي لا تعصي سيدها ما أمرها، أما الدماء التي تراق فهي دماء بلا قيمة، فالمجتمع الدولي يشجب ويستنكر ثم سرعان ما يتم الاعتراف بالقاتل رئيسًا للبلد!

الأسباب والنتائج والمآلات

ان سر التحول الكبير في عقيدة الجيوش ووقوفها إلى جانب الأنظمة على حساب الشعوب يرجع إلى أمور عديدة:

  • تغييب الفكر الوطني والبعد القومي لدى أفراد الجيش وربط الأمن والسلامة بشخص الرئيس والمقربين منه مما يجعل كل ثورة فوضى، وكل صوت يطالب بالإصلاح هو خطر يهدد البلاد، وكل برنامج تتبناه الشعوب مخطط مؤامرة يستهدف الأوطان.
  • التحكم بمفاصل الجيش عن طريق استلام المقربين من الرئيس للمناصب القيادية وتكريس فكرة القيادة المطلقة، وهنا سيدب الفساد في أركان الجيش ويرتهن قرار المؤسسة العسكرية للأقلية الحاكمة ويصبح حاميا للرئيس ومن معه.
  • إقصاء التعددية والاعتماد في بناء الجيش على أبناء الطائفة الواحدة او العشيرة الواحدة او الاقلية القريبة من الرئيس، فتتحول صفة الجيش من وطني الى طائفي أو مرتزقة كما حصل مع الجيش العراقي ما بعد الاحتلال الأمريكي أو الجيش الليبي السوري إبان حكم العقيد معمر القذافي.

على ضوء ما سبق نرى أن الجيوش اتجهت لتصبح مؤسسة شخصية تخدم قلة من يحكمون وتلبي رغباتهم وتحقق أطماعهم، ويرى الكاتب زهير الحارثي في صحيفة الرياض السعودية أنه: «بعد رحيل الاستعمار الغاشم عن بعض الدول العربية، نشأت أنظمة وطنية، وأطلقت شعارات مؤثرة آنذاك؛ لارتباطها بالأرض والحرية والاستقلال، لكنها ما لبثت أن عادت إلى ممارسة القمع، بمجيء أنظمة عسكرية كرست الاستبداد والديكتاتورية». فتحول المشهد من ليبرالية مشوهة بعد الاستقلال، إلى فضاء ملوث بالعنصرية، والتمييز المذهبي والطائفي والقبلي.

ما بعد الربيع العربي

على ما رأيناه من فض وحشي لاعتصام القيادة العامة في السودان وبصورة كربونية عما حصل قبل أعوام في ميادين مصر، فإن المؤسسة العسكرية فقدت رصيدها لدى الشعوب، ووضعت نفسها في مواجهة مباشرة معها وجعلت سقف مطالب الشعوب يرتفع إلى إعادة هيكلة هذه المؤسسة بصورة تضمن تحييدها عن الحياة السياسية وبناء عقيدة جديدة تعيدها الى وظيفتها بحماية الحدود، إن «التحدي الذي يمثله العسكر في العالم العربي يفرض على الشعوب أن تناضل وتستميت لتحقيق أحد هدفين: إما حل هذه الجيوش، أو إعادة بنائها على قيم الجمهورية».

لقد رأى ميكافيلي بأن الجيوش هي الضامن الأقوى لبقاء الأنظمة فقال: بأن الملك عليه أن يغدق على حاشيته وقادة جنده حتى لو على حساب أبناء شعبه لمواجهة أي خطر قد يحيق به.

إن نظرة ميكافيلي تنطبق تمامًا على أحوال وطننا العربي الذي نرى فيه الجنرالات يستأثرون بالحصة الأكبر من الثروات التي هي حق للشعوب، كما بدا أن المصلحة بين رؤساء الأنظمة والجنرالات قوية جدًا، فكما حصل في مصر نترقب صدور براءات جماعية من القضايا الشكلية التي نسبت للبشير وبعض المقربين منه.

لقد بنت الشعوب آمالها على سلميتها إلا أن العسكر حول آمالهم وأحلامهم الى كوابيس، وجعل الشعوب تذوق عاقبة التفكير بالحرية والتغيير؛ فإما الرضى بالواقع المر أو أن العاقبة ستكون السجن والضرب والقتل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد