إن الاستفتاء شكل من أشكال الديمقراطية الحقيقية، وهو انعكاس حقيقي لإرادة الشعب، وهو أيضًا أحد النصوص الأساسية، والتي هي من الثوابت في الدساتير، لكن قد يكون الاستفتاء في بعض الأحيان فكرة في غاية السخف، بل ربما يكون شكلًا من أشكال السخرية. واضرب مثالًا بسيطًا جال في خاطري:

أراد صاحب أحد المطاعم أن يبتكر مشروبًا ينال إعجاب الجميع، إذن ليأخذ رأي الناس المترددين على مطعمه أمر بإنزال زجاجة ومعها ورقة على كل طاولة من الطاولات وانتظر جمع الآراء، الناس على الطاولات منهم الصائم العازف، ومنهم من لا يثق ولا يجازف بتناول أشياء لا يعلم عنها شيئًا، وهو أيضًا ليس فأر تجارب كما يقول، وبقي الأخير الذي تناول الزجاجة عن آخرها متمتمًا «ضربوا الأعور على عينيه قال خسرانة ولو وقفنا على كل حاجة مفيش حاجة ماشية خالص وكنا مُتنا من زمان»، ثم تعود الأوراق الخاصة بالاستفتاء محملة بالآراء، مشروب رائع، جميل، مذهل.

إذن النتيجة النهائية هي النجاح الكبير بدليل الزجاجات الفارغة، وإرادة الناس الحقيقية الحرة في التعليقات والتصويت.

إن هذا المثال قريب الشبه إلى حدٍّ كبير بما يحدث في مجتمعنا اليوم، فالناس إما صائم وممتنع، وإما فاقد الثقة وعازف، ويبقى الأخير صاحب النوايا الحسنة الذي لو قيل له ارم نفسك في النار من أجل بلدك لن يتردد لحظة، هذا الذي تحركه مشاعر الخوف لدرجة الرعب على البلد والولد؛ ففي كليهما حياته، تطحنه رحا البحث عن لقمة العيش ونواياه الحسنة وسلامة قلبه تقنعانه بوجود مؤامرة بالداخل والخارج.

إن ما يشعر به هذا القطاع ليس بجُرم ولا بعيب، لكن الأسف الحقيقي على أولئك الذين يطلّون علينا عبر الفضائيات وبتلاحق غير منقطع النظير، يوهمون الكثير والكثير بالأكاذيب، يتشدقون بعبارات رنانة لا تبلغ معانيها حناجرهم بأن اسألوا الشعب، وأنا أتساءل أي شعب تقصد يا هذا؟ هل تجادل من أجل الجدل وفقط، وتظل على كل الأوجه مجادلًا؟ أم أنك كذبت وصدّقت كذبك بأنك المحاور الوطني صاحب الرؤية الثاقبة؟ إنني على يقين بأنك في كل الأحوال كنت تجادل، فلو طرحت الإدارة طلب الاستفتاء وأتحدث بشأن الجزيرتين موضوع الجدل الأخير، كنت ستظهر علينا بنفس ذات العصبية والتهكم وتنادي بأن استفتاء للشعب المتهالك نفسيًّا وبدنيًّا ومغيب عقليًّا هو استفتاء باطل.. باطل.. باطل.

إن الداء الحقيقي هو أمثال هؤلاء، الواحد فيهم يرعبه هاجس أن يبتعد عن شاشته مقاتلًا في سبيل البقاء أطول فترة ممكنة أمام الجمهور، منهجه «اضرب ولاقي» ممسكًا بالعصا من المنتصف، كل ما يشغله النجومية والأموال، هم تتحقق فيهم الآية الكريمة: «سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11)» سورة الفتح.

إن مشكلتنا الحقيقية تكمن في هذا التشبث غير المنتهي برأي الفرد وقناعاته وفهمه الشخصي لموضوع معين، وعدم الاستعداد لمناقشة رأي الطرف الآخر كائن من كان، الكل في محاولة مستمرة بل ومستميتة بأنه هو الصح، بل والأصح على الإطلاق.

إن محاولة القيام بدور الناصح الأمين ربما تكون غير ذات جدوى، كما أن المناقشة مع من يفقد الثقة في كل شيء أيضًا ربما تكون غير مثمرة، تصعُب جدًّا مجادلته، وأيضًا لن أنكر على من يخشى أن يجازف، له العذر هو بالفعل ليس فأر تجارب، كما أنني لن ألوم من التهم الزجاجة عن آخرها، ربما تحسبًا لعطش شديد ممزوج بخوف ولهفة على كل شيء! ما هذه الضبابية أليس هناك بصيص من أمل؟ أم أن سبل النجاة جميعها قد انقطعت؟ لم يعد لي سوى التضرع إلى الله هو كفيلنا جميعًا، ولم يعد أمامي إلا العازف الصائم الذي يردد في قرارة نفسه أنه لم يعد يفرق معه أي شيء، أناشده حين تأتي لحظة إفطارك لا تنسى أن تردد دعاء الجميع أحوج ما يكون إليه الآن «رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10)» صدق الله العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد