كان الشاعر دريد بن الصمة سيد بني جشم، وفارسهم، وقائدهم، وكان مظفرًا ميمون النقيبة، وغزا نحو مائة غزوةٍ ما أخفق في واحدة منها، كما يقول أبو عبيدة، أخذه الجيش المشرك (هوازن وثقيف) في معركة حنين، وقد جاوز المائة وكان الجيش بقيادة مالك بن عوف، وهو شاب في الثلاثين من عمره أسلم بعد معركة حنين التي قادها ضد المسلمين بقيادة النبي – صلى الله عليه وسلم- عام (8) للهجرة، لم يكن لدريد الذي أسلم لسانه، ولم يسلم قلبه أي قوة على القتال، بل حملوه على بعير كما تحمل النساء، حتى أن أحد الصحابة أخذ البعير بعد المعركة ظانًا أن عليه امرأة، كان دوره في المعركة أكبر من القتال، كان مستشارًا حربيًّا ومخططًا ومشجعًا، زاد الإلحاح على وجوده وجود القيادة الشابة المتهورة لمالك بن عوف.

وعندما فتح القائد العربي الأشهر خالد بن الوليد رضي الله عنه الحيرة، كان الذي فاوضه على التسليم هو عمرو بن عبد المسيح، عمره عند وفاته (350 عامًا!) كما تقول المصادر، فحدثت بينه وبين خالد محاورة بلاغية تدل على عقل ذلك الراهب العجوز، قدمه قومه دون غيره لأمر فيه بقاؤهم أو فناؤهم، وبعد ذلك نقرأ من بين مستشاري القائد الشاب سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه- في القادسية عمرو بن معدي كرب، وقد جاوز الثمانين وغيره كثر، هذه سنة في الأمم التي عركتها البلايا وواجهتها المحن، واعتبرت بواقع حالها، تحفظ لحكمائها مكانهم، ولا تحملهم أعباء تجاوزتها أعمارهم، وقوة أجسادهم، وتمتعهم بالحكم الاستراتيجي وغير المباشر، عبر مواقعهم كمستشارين مسموع لهم.

وفي هذا العصر، فإن الأمم الغربية التي تفوقت علينا في أمور تدبير الحياة، وتعلمت من أخطائها، لا تهمل هذه السنة الأممية الحياتية، ترى ذلك واضحًا عندما تتابع سيرة السياسي الأمريكي الخبير يهودي الديانة هنري كسينجر الذي تجاوز عمره تسعين عامًا، بجانب الرؤساء السابقين من أصحاب العقل والرأي، لا يوجد مانع دستوري ولا تشكيك في قدرات كيسنجر يمنعه من اعتلاء منصب وزارة، أو حتى الرئاسة في أمريكا، لكنه اختار المكان الأهم بالنسبة لأمثاله، لقد انتقل من دائرة صناعة واتخاذ القرار، إلى دائرة دراسة وتقويم الأفكار والاستراتيجيات الكبرى والمصيرية.

إنه أشهر وزير خارجية في أمريكا، وربما في العالم، أستاذ جامعي، كتب عددًا من الكتب، آخرها كتابه عن «النظام العالمي» الذي صدر عام 2014، له يد في كثير من الأحداث التي غيرت الكثير من المواقف في العالم، وخاصة في الشرق الأوسط، تواصل مع الصين والاتحاد السوفيتي بعد قطيعة، كان خلف معاهدات سلام العرب وإسرائيل، كان له دور في حل مشاكل أمريكية كثيرة كخروجها من مستنقع فيتنام.

هل تأخرت الكتابة عن كتابه «النظام العالمي»؟ لا أظن، فبعض الكتب لا ترتبط بتاريخ الطبعة أو النشر والترجمة، فهو عن موضوع مهم جدًّا، لمعرفة التفكير والنظرة الأمريكية، خاصة وأن الأرجح في هذا الكتاب أن ما يقوله لا يمثل رأيه هو وحسب؛ بل يمثل رأي قطاع واسع من الطبقة السياسية الأمريكية كما يرى د. خالد الدخيل.

على مدى 390 صفحة في النسخة العربية، تحدث عراب السياسة الخارجية الأمريكية المحنك الذي عاصر العديد من الأحداث السياسية، والفضائح التي ميزت القرن الماضي، تحدث عن الكرة الأرضية عرضًا (جغرافيًّا) وعمقًا (تاريخيًّا)، في مقدمة وتسعة فصول وخلاصة، قدم فيها توصياته حول الأعوام القادمة، وكيفية بناء نوع من النظام العالمي الجديد القادر على البقاء على قيد الحياة، محاولًا وضع القضايا الدولية الحالية في سياقها التاريخي.

ينطلق الكتاب من معضلة أوروبا في القرن (16)، وبداية (17) الميلادي، والتي جاء بسببها الانفراج العالمي لاحقًا، عبر النظام الدولي القائم، عبر ما عرف بسلام وستفاليا، وبناءً على مبادئه: الولاء القومي، والسيادة، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، قام النظام العالمي اليوم، الذي يسميه كيسنجر «النظام الوستفالي العالمي المعاصر».

عندما تسيطر قوة دولة فهي التي تفرض نظامها على العالم أو الإقليم، لكن عندما تكون هناك دول متعددة وليس فيها واحدة ذات قوة كافية لدحر الأخرى، مع تبنيها لفلسفات وممارسات داخلية متناقضة، تبحث عن قواعد محايدة لضبط سلوكها، والتخفيف من الصراع فيما بينها، هنا نكون أمام شروط تكون النظام العالمي المعاصر، وهكذا كانت أوروبا في بدايات القرن السابع عشر الميلادي (ص13)، فكان سلام وستفاليا عام 1648، استجابة لضغط الواقع مسدود الأفق بين القوى التي استمرت في حربها (30) عامًا دون نصر أي منها.

سن المؤلف قلمه في الفصلين الأول والثاني لبيان منطلق النظام العالمي من أوروبا، مختصرًا الحالة الأوروبية التي تمخضت عنها مبادئ وستفاليا، ثم التنازعات والتوازنات التي أدت في الأخير إلى استقرار تلك المبادئ، كل ذلك في (80) صفحة، ويقفز في الفصلين الخامس والسادس إلى الشرق، حيث الصين واليابان والهند، فيقول في عنوان الفصل السادس «نحو نظام آسيوي: مجابهة أم شراكة؟» بعدما تحدث في الفصل الخامس عن «تعددية آسيا»، لم تخف أهمية آسيا لدى المؤلف إذ استولت على 40% من مساحة الكتاب (150) صفحة.

و لو نظرنا في منتصف الكتاب (ص100- 170)، لوجدناه يتحدث في الفصل الثالث عن عالمنا العربي، «عالم في عين الفوضى» كما عنون له، وتتضح من خلال كلمات عناوين الفهرس النظرة التي تفرق بين سمو إيران وانحطاط العرب كما يرى المؤلف (وسنتحدث عن ذلك في المقال التالي)، ففي الفصل الثالث الذي يخص عالمنا العربي تجد كلمات «الفوضى»، «المريض»، «الزلزال»، «القضية»، «انحطاط»، بلا كلمة إيجابية واحدة، بينما في الفصل الرابع الذي تحدث فيه عن إيران تجد كلمات «مقاربتان»، «تراث»، «فن إدارة»، «الانتشار»، «الثورة»، «الرؤية»، دون أي كلمة سلبية، هذا في العناوين دون المضامين، والمضمون أكثر وضوحًا.

في الفصول الثلاثة الأخيرة، تحدث عن أمور كثيرة مضافة إلى كلمة «الولايات المتحدة» في (120) صفحة، أكثر من ربع الكتاب، عن موقع أمريكا على المسرح العالمي، عن الواقعية والمثالية في السياسة الخارجية الأمريكية، عن أمريكا وتصورها للنظام العالمي الجديد، عن أمريكا كقوة عظمى مترددة، مستعرضًا وضع أمريكا على المسرح العالمي منذ نشأتها، مرورًا بالحرب الباردة، وصولًا لحرب أفغانستان والعراق، يختم كيسنجر الفصل الثامن بعنوان لطيف «الهدف والممكن»، يقول في فقرته الأخيرة: «كثيرًا ما يتكرر وصف الحوار الداخلي الأمريكي بنوع من النزاع بين النزعتين المثالية والواقعية. وقد تبين أن أمريكا –كما غيرها من بقية العالم- لن تستطيع أن تحقق أيًّا منهما ما لم تتحل بالصفتين كلتيهما في تحركها». ص321

يرى كيسنجر في خاتمة الخلاصة أن اجتراح نوع من إعادة بناء النظام الدولي هو التحدي الأقصى لفن السياسة في زماننا، وسيتطلب السعي المعاصر لاجتراح نظام عالمي استراتيجية متماسكة لترسيخ مفهوم للنظام داخل المناطق، أو الأقاليم المختلفة، مع العمل على ربط هذه الأنظمة الإقليمية فيما بينها. ص360

وصف أحد المحللين كتاب «النظام العالمي» بأنه «إنجيل السياسة الواقعية»، وكعادة كل كتاب يحمل وحيًا من أي نوع لا يؤمن به ابتداءً إلا الضعفاء، بينما يتحداه الأقوياء، ويمضون في حياتهم غير آبهين بما يقول، ولا عصمة لغير الأنبياء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد