يرى أنصار المدرسة الماركسية أن الجريمة ما هي إلا رد فعل طبيعي على الظلم الاجتماعي الذي يولد من رحم الأنظمة الرأسمالية، وهذا هو ما يفسر استشراء الجريمة بصورة كبيرة في الطبقات الكادحة التي تأتي نتيجةً منطقية لما يعانيه أفرادها من فقر وظلم وقهر، لذلك فإن الجريمة وفقًا لوجهة نظر هذه المدرسة لن يكون لها وجود في ظل مجتمع اشتراكي يكفل لأفراده احتياجاتهم الأساسية ويضمن لهم العدالة الاجتماعية، وإن وجدت الجريمة في رحابه فلن تكون معدلاتها مرتفعة كما هو الحال في المجتمعات الرأسمالية، فضلًا عن أنها ستكون في الغالب راجعة إلى العوامل الداخلية الخاصة بالفرد كإصابته بأمراض عقلية أو نفسية.

في مذكرات نيلسون مانديلا (حواري مع نفسي) الصادرة عن مركز مانديلا للذاكرة والحوار، يروي نيلسون لمحرر مجلة «التايم» ريتشارد ستينغل حادثة غريبة تعرض لها دون أن يترك لها أي تفسير، وإن جاء التفسير ضمنيًا على لسان بطلها. حدثت له حين أقام في بلدة (ألكساندرا) في بداية الأربعينيات من القرن الماضي، حيث إنه كان يقطن في غرفة منفردة في منطقة ينشط فيها عصابة تدعى «ثوتا رانش»، كان أفراد هذه العصابة حين يسطون على أحد البيوت يسرقون منه كل شيء و«يتركونه على الحديدة».

وفي إحدى الليالي صحا نيلسون على أصوات أنُاس يسيرون خارج غرفته، وقتها تذكر ما أخبره به زكريا موليت عن هذه العصابة، وبينما وهو يتذكر ما قاله له صديقه عن هذه العصابة تفاجأ نيلسون بالجدال المُحتدم بين أفرادها والذي حكاه نيلسون لريتشارد على النحو التالي: (قال شخص: لا، دعنا ندخل. دعنا ندخل… فرد عليه آخر قائلًا: لا يا رجل لا يملك المال. إنه لا يملك شيئًا، فهو مجرد طالب، ثم راحا يتجادلان، ولكن الرجل الآخر كان قويًا فقال: دع هذا الطالب وشأنه. دعه وشأنه، إلا أن الرجل الذي كان يبدو مصرًا، ثار غضبًا وإزعاجًا فركل الباب الذي كان متفسخًا فانكسر القفل، لكنهما لم يدخلا، ومضيا في طريقهما) يختم نيلسون حكايته بـ(شعرت بامتنان عارم، لأنه كان من أنقذني من التعرض للسرقة. أحد هذين الشخصين كان لطيفًا بما يكفي بحيث قال: «لا لا تسرقه»).

لا تختلف ملابسات الحادثة التي تعرض لها مانديلا كثيرًا عن ملابسات الحادثة التي تعرض إليها صديقي العامل الشقيان في بلاد الغربة، حينما كان يعمل في أحد المطاعم الليبية بعد الثورة، ففي نهار لم تطلع له شمس هاجمت إحدى العصابات المسلحة التي كانت تصول وتجول في هذا الوقت في الأراضي الليبية المطعم الذي كان يعمل فيه، وكان هو العامل الوحيد الموجود فيه حينذاك، فقامت العصابة بسرقة كل شيء في المطعم، ولحظ صديقي العثر أفراد العصابة وقتها لم يكونوا مُلثمين فخشى أحدهم من أن يتعرف عليهم ويكون سببًا في الإيقاع بهم في المستقبل، فوجه إليه سلاحه، ولكن أحد زملائه رفض ذلك بشدة قائلًا له: «ده غلبان.. سيبوا يخدم على حاله»، فلما أصر الآخر على قتله ورفض أن ينزل سلاحه ويتركه لحال سبيله. كادا أن يتشابكا بالأيدي، ولكن ثمة شيء حدث جعله يخفض سلاحه من أمام وجهه وهو ينظر إليه بمرارة لأنه لم يقتله.

للأسف ترك هذا الموقف في صديقي أثرًا لا يستهان به لم يستطع التخلص منه حتى الآن، وكلما تأتي سيرته تنساب العبرات على وجنتيه، وحين أردت أن أخفف عنه في إحدى المرات وقلت له بأنه لا ينبغي عليه أن يحزن كل هذا الحزن فهو في النهاية حي يرزق وأنه من المفترض أن يكون سعيدًا لأن الله نجاه من الموت وحنن عليه قلب أحد أفراد العصابة، فاجأني حين قال ليّ: بأنه لا يبكي لأنه كان قاب قوسين أو أدني من أن يقتل، وذلك لأننا في نهاية المطاف سنموت سنموت، ولكنه يبكي لأن الرجل قال له بعد أن خفض سلاحه من أمام وجهه: «امشي.. يلعن دين بوك».

ربما تفسر الرؤية الماركسية للجريمة التحول المفاجئ لشخص ما من إنسان نبيل إلى حرامي، فلولا العوز والحاجة والفقر المدقع لما تحول إلى حرامي، وأصله الطيب هذا هو الذي يدفعه مرة أخرى إلى التحول إلى إنسان نبيل حينما يتعاطف مع الضحية، أو بمعنى أدق عندما يرى الضحية في حاجة ماسة للتعاطف معها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد